إسلام نيوز
وكالة الأنباء الإسلامية الروسية
12.12.2017
ФаджрВосходЗухрАсрМагрибИша
6:448:4912:2413:4315:5717:55

روسيا والعالم الإسلامي

قضايا التعاون طويل الأمد
الإرهاصات وآفاق المستقبل

تقرير الفريق البرلماني المشترك
«روسيا والعالم الإسلامي : حوار استراتيجي»

موسكو – مجلس الدوما

هذا التقرير من إعداد مجموعة من خبراء المعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث والمصالح التطبيقية والمؤسسات العلمية الروسية
بإشراف د. شامل سلطانوف منسق فريق «روسيا والعالم الإسلامي : حوار استراتيجي»
المشكل من نواب الكتل البرلمانية الممثلة في البرلمان الروسي
ومساهمة أعضاء الفريق من نواب مجلس دوما الدولة (البرلمان) الروسي.

الفريق البرلماني «روسيا والعالم الإسلامي : حوار استراتيجي»
تألف فريق»روسيا والعالم الإسلامي : حوار استراتيجي» البرلماني في نيسان/ابريل 2004م.
وهو يضم ممثلين عن جميع الكتل البرلمانية الممثلة في دوما الدولة (مجلس النواب)، وأعضاء في مجلس الفيدرالية (مجلس الشيوخ)، وهيئات السلطة التمثيلية (التشريعية)، في عدد من أقاليم روسيا الاتحادية.

ومن الأهداف الأساسية للفريق البرلماني المشترك:

1- جمع شمل السياسيين الذين يعتبرون روسيا والعالم الإسلامي حليفين استراتيجيين
2- صياغة وطرح المبادرات الرامية إلى تطوير تعاون روسيا مع الدول الإسلامية في حل مسائل الأمن الدولي
3- توفير الظروف الملائمة لنشاط المؤسسات والمنشآت الاقتصادية الروسية في أقطار العالم الاسلامي.

«روسيا والعالم الإسلامي: حوار إستراتيجي»
إن التعاون والتعامل الاستراتيجي بين أي طرفين لا يقوم على وحدة المصالح الموضوعية بينهما فحسب، بل وعلى مستوى معين من الثقة المطلوبة بينهما.
و فيما يخص روسيا و العالم الإسلامي فإن ضعف الثقة وشح التفاهم الفعلي هما من العوائق الرئيسة التي تعترض بناء شراكة طويلة الأجل بينهما – وذلك نتيجة لعدم التقييم الحقيقي لما يواجه الطرفين من تهديدات، و لترسبات الماضي السلبية، وعدم توفر القدر الكافي من المعرفة عن بعضهما البعض وما إلى ذلك.

وفي التسعينات عندما حاولت الصفوة والمؤسسة السياسية في روسيا توجيه مسار البلاد جذرياً صوب الغرب, ضعف الاهتمام بالأقطار الإسلامية لحد كبير. وأبعد عن صنع القرار كثير من الأخصائيين المؤهلين الذين يمتلكون خبرة نادرة وفريدة للعمل في هذه المنطقة. وانسحبت مدرسة الاستشراق الروسية السوفييتية الشهيرة إلى مواقع هامشية في حياة المجتمع الروسي. كل ذلك حصل على خلفية التعقيدات الكبيرة التي واجهتها العمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية في العالم الإسلامي.
ومن جهة أخرى ظلت عامة الناس في روسيا تحكم على ما يسمى «بالعامل الإسلامي» من خلال مقتبسات معلولة من أفلام سينمائية مغرضة، وتأويلات دعائية متحيزة حول الأحداث الفاجعة في شمال القوقاز، وأنباء مبتورة مبتسرة أحادية الجانب في الأغلب عن الأحداث في «البقاع الساخنة» خارج روسيا.
عدا ذلك فإن في الأوساط السياسية الروسية حالياً تنشط و تعمل مجموعات من اللوبي ومراكز القوى التي ليس لها مصلحة في تنظيم الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والعالم الاسلامي. فما التشويه الإعلامي والتزوير السافر للعلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي، والأوضاع في بلاد المسلمين الذي تتداوله العديد من وسائل الإعلام الروسية، بالاضافة إلى استخدام أساليب الحرب النفسية بشكل ملحوظ إلا نتائج لنشاط هؤلاء «اللوبيين» تحديدا.
وحتى في أبرز الدول الإسلامية لا يكاد حال اطلاع الرأي العام بل وحتى الصفوة السياسية يختلف من هذه الناحية عما هو عليه في روسيا.

الهدف الرئيس لهذا التقرير هو تشجبع العمل على وضع وتطبيق استراتيجية فعّالة لتطوير التعاون بين روسيا والعالم الاسلامي, وهو أمر يكتسب أهمية استثنائية في إطار مكافحة الارهاب الدولي.

1- روسيا و العالم الإسلامي: السياق التاريخي

اجتازت العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي طريقا معقداً ومتناقضاً عبر التاريخ. فالحروب والنزاعات، والاتهامات والخلافات والشكوك المتبادلة أثارت الريبة والحذر في العلاقات بين الطرفين. وكانت روسيا على سبيل المثال قد خاضت 13 حربا مع تركيا وحدها، وكانت هناك حروب لها مع إيران وعمليات قتالية في آسيا الوسطى والقوقاز. ثم إن آخر حرب خاضها الاتحاد السوفيتي كانت في بلد إسلامي وهو أفغانستان.
إلا أن عدداً كبيراً من الباحثين المعروفين في الوقت ذاته يشيرون إلى التوافق التقليدي بين الطرفين، في القيم الاجتماعية والثقافية، و إلى التقارب الكبير في العديد من الجوانب في المواقف الإستراتيجية والجيوسياسية.
وكانت التغيرات الكبيرة في القرن الماضي – ثورة 1917 في روسيا والنضال التحرري للشعب التركي والثورتان المصرية والإيرانية في النصف الثاني من القرن العشرين قد جسدت بمزيد من الوضوح التوافق الحضاري والجيوسياسي بين مصالح روسيا والعالم الإسلامي.
ويعزو بعض العلماء الروس البارزين النزاعات الكثيرة التي شهدها التاريخ بين روسيا والعالم الإسلامي إلى وجود «قوة ثالثة» خفية في العلاقات المتبادلة بين العالم الأرثوذوكسي والعالم الإسلامي تنتفع دوماً من تلك النزاعات والخلافات، ولها مصلحة في استمرار هذه الصراعات.. ويؤكد وجهة النظر هذه آرنولد توينبي حيث قال إن «التحدي الحضاري» الغربي لعب دوره في الأزمات المتكررة التي شهدتها العلاقات بين الحضارتين الأرثوذكسية والإسلامية وكان الغرب يتولى وظيفة «المعتدي» عادة بالنسبة لكلتي الحضارتين.
وفي الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرون كانت روسيا والعالم الإسلامي محطتين لتنفيذ مصالح غربية عليهما أكثر من تحقيق مهماهما الإستراتيجية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين انتقل مركز ثقل المواجهة العالمية تدريجياً إلى المجال الجيوسياسي للاتحاد السوفيتي والعالم الإسلامي.

وبعد الحرب العالمية الثانية كانت العلاقات الودية و المتميزة بين الاتحاد السوفيتي والأقطار الإسلامية هي السائدة وبالأخص مع العديد من الدول العربية و أفغانستان. ويقصد بذلك الثقة التي طبعت الاتصالات والعلاقات الدبلوماسية والسياسية والتعاون العسكري الواسع وتبادل الزيارات المكثف لرجالات الدولة والشخصيات الاجتماعية ووفود العلماء والمثقفين وغيرهم.

وفي الوقت ذاته يكنّ العالم الإسلامي، والعالم العربي خاصة، مشاعر الامتنان العميق للاتحاد السوفيتي على دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ومطالبه العادلة؛ إذ أن القضية الفلسطينية باتت مؤشراً يحكم العالم الإسلامي من خلاله على موقف هذه الدولة أو تلك وعلى آراء هذا السياسي أو ذاك.

أسهم الاتحاد السوفيتي بقسط وافر في بناء وتنمية قطاعات اقتصادية هامة في العديد من الأقطار الإسلامية والعربية مثل مشاريع توليد الكهرباء والتعدين وصناعة النفط والغاز وغيرها. وبمساعدة من بلادنا شيد في مصر 94 مشروعاً ضخماً، وفي العراق 84 مشروعاً وفي الجزائر 69 مشروعاً وعشرات المشاريع في سوريا واليمن وأفغانستان ودول إسلامية أخرى. وبلغ عدد المشاريع الصناعية والكهربائية والإنتاجية الكبرى التي شيدت بفضل تلك المساعدات 350 مشروعا على وجه التقريب، كما تم إعداد أكثر من 150 ألف أخصائي مؤهل. وفي الحقيقة تجاوزت حصة أقطار العالم الإسلامي 40 بالمائة من حجم الاستثمارات المالية المخصصة للمساعدات السوفيتية في الخارج.

وكان هذا التعاون واسع النطاق متبادل النفع؛ فقد استورد الاتحاد السوفياتي من أقطار العالم الإسلامي المواد الغذائية والسلع الصناعية التي كان بأمس الحاجة إليها، و التي كان سيضطر إلى شرائها من الغرب في ظروف أخرى بأسعار باهظة.

وكان مسار هذا التعاون و ديناميكية تطوره، قد جعلت العديد من كبار السياسيين والخبراء الغربيين، استنادا إلى التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية والتبدلات الداخلية في المجتمع السوفيتي نفسه في سبعينات وثمانينات القرن الماضي, يتوقعون بقلق ملحوظ بلوغ التعاون الاستراتيجي بين الاتحاد السوفياتي والعالم الإسلامي في بداية القرن الحادي والعشرين مستوى جديدا من حيث المبدأ.

إلا أن زج القوات السوفياتية في أفغانستان تحت شعار بدا غريباً عجيباً في أنظار الكثيرين في العالم الإسلامي، وهو شعار المساعدات الأممية، قد بدل هذا الموقف جذريا. فالأوساط الحاكمة في معظم الأقطار الإسلامية، ناهيك عن الأوساط الاجتماعية، اعتبرت خطوة القيادة السوفيتية تلك بمثابة إعلان الحرب على الإسلام, خاصة وأن المنطقة التي تشغلها أفغانستان حالياً تتسم بأهمية كبيرة في تاريخ الحضارة والثقافة الإسلامية.

وبالمنظار السياسي الاستراتيجي التاريخي لم يكن التدخل السوفيتي في أفغانستان مفهوماً بالنسبة للنخبة السياسية في العالم الإسلامي, ذلك لأن أفغانستان ومنذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد السوفيتي كانت تتمتع تقليدياً بعلاقات سياسية ودية طيبة، وصلات اقتصادية متميزة مع الدولة السوفيتية. و خلص زعماء العديد من الأقطار الإسلامية إلى الاستنتاج بأن القيادة الشيوعية مستعدة للتضحية بمصالح الاتحاد السوفيتي الجيوسياسية والجيواقتصادية طويلة الأمد من أجل أهدافها العقائدية والحزبية الضيقة.

وبات النزاع الأفغاني الذي هو من أكثر النزاعات إراقة للدماء في تاريخ القرن العشرين (خلال الفترة 1978-1994م قتل في أفغانستان حوالي مليوني شخص) أقوى محفز لتصاعد الحركات الراديكالية في العالم الإسلامي. وتفيد بعض المعطيات أن حوالي نصف مليون مسلم من عشرات البلدان تقاطروا على أفغانستان خلال فترة الغزو السوفيتي في إطار التضامن الإسلامي، معظمهم ساهم في عمليات الإغاثة الإنسانية المتشعبة للشعب الأفغاني.

وبالطبع، انتهزت «القوة الثالثة» من خصوم الاتحاد السوفيتي الاستراتيجيين الفرصة واستفادت من تلك الأوضاع الشاذة؛ فقد سلحت المقاومة الأفغانية بكثافة وقدمت لها الدعم المادي (أكثر من 10 مليارات دولار) وشجعت بكل الوسائل تفعيل نضال «المجاهدين» ضد الاتحاد السوفيتي، ساعية في الوقت ذاته إلى تولي دور «المدافع عن الإسلام».

ومع تصاعد الأزمة الأفغانية بهتت صورة الاتحاد السوفيتي كشريك استراتيجي للعالم الإسلامي بمنتهى السرعة. ومن جهة أخرى باتت «المساعدات الأممية لأفغانستان» أحد أهم أسباب تقوض الاتحاد السوفيتي واختفاء هذه الدولة الكبرى من خارطة العالم السياسية.

أما القيادة الروسية الجديدة التي خلفت الاتحاد السوفييتي و التي عولت في التسعينات على «أقصى درجات التقارب مع الغرب و مهما كلّف الثمن» فقد بددت في الواقع بقايا النفوذ الذي كان للاتحاد السوفيتي في العالم الإسلامي. بل إن المواجهة بين روسيا الجديدة والعالم الإسلامي اشتدت بسبب معاداة الإسلام من قبل بعض المتنفذين في المؤسسة السياسية الروسية الجديدة.

وتجلّت الأزمة في العلاقات الروسية الإسلامية بمزيد من الوضوح مع تصاعد النزاع الشيشاني و الذي نشأ بصفته عنصراً هاماً من عناصر الصراع على السلطة في روسيا ووسيلةً للتأثير الهادف في هذا الصراع وفي عملية إعادة تقاسم الملكية العامة. إلا أن دوامة النزاع المتصاعدة قادت إلى العنف المباشر في المواجهة بين المؤسسة السياسية العليا وبين إحدى النخب الإقليمية الجديدة التي تسلمت مقاليد السلطة قادمة على موجة إشاعة الديمقراطية في المجتمع.

وأدى عجز القيادة الروسية السابقة عن العثور على حل سياسي للمشكل الشيشاني إلى جولة جديدة من تفاقم الأزمة. وبدأ تنفيذ سيناريوهات » النزاعات الموجهة» لزيادة التأثير على عمليات السياسة الداخلية في روسيا الاتحادية. وكان من بين الأهداف هو الوقوف وبأي وسيلة دون تقارب روسيا من العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من أن النزاع الشيشاني لم يكن منذ البداية يتسم بالصفة الدينية، إلا أنه وجدت قوى معينة حاولت تصوير الأزمة على أنها «عدوان روسي جديد على الإسلام» مما أدى إلى ظهور مئات المقاتلين من مختلف الدول الإسلامية على الأراضي الشيشانية، مما أدى إلى المزيد من التوتر في العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي.

وأخذت «القوة الثالثة» تستخدم العامل الشيشاني ثم ظاهرة ما يسمى «بالارهاب الدولي» لتأزيم العلاقات بين روسيا الاتحادية والعالم الإسلامي. و من جهتها عمدت أوساط روسية متنفذة إلى تنشيط حملة جديدة لمعاداة الإسلام في البلاد.

توقف هذا الاتجاه السلبي بقدر معين في العام 2003م، حين لاحت بوادر تحسن العلاقات بين روسيا وعدد من الأقطار الإسلامية. ظهر ذلك جلياً في تشرين الأول / أكتوبر من العام نفسه حين حضر رئيس الدولة الروسة فلاديمير بوتين ولأول مرة جلسة أهم مؤسسة دولية في العالم الإسلامي، ألا وهي منظمة المؤتمر الإسلامي في العاصمة الماليزية كوالالمبور.

وقد شدد الرئيس فلاديمير بوتين في كلمته التي ألقاها في المؤتمر في العاصمة الماليزية على عدة نقاط مفصلية:

أولاً: أكد على أهمية التقارب بين روسيا وأقطار العالم الإسلامي، و سيرها للقاء بعضها البعض إذ قال : «… الأغلبية الساحقة من أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي أيدت مبادرتنا لتطوير العلاقات مع المنظمة. ونحن نعتبر ذلك ليس مجرد التفاتةً طيبةً بل قراراً استراتيجياً بعيد النظر. وأنا على يقين من أن مشاركة روسيا ستكمل أطياف المنظمة الزاهية وتوفر لعملها إمكانيات جديدة وتحمل إليها وزن وصوت الجالية الروسية المسلمة الضخمة. تلك الأمة التي لا تعزل نفسها عن المجتمع الإسلامي العالمي وهي مستعدة للمشاركة المثمرة في حياته الروحية والثقافية والسياسية… إن مسلمينا يجب أن لا يشعروا بأنهم أناس من صنف ثانوي في العالم الإسلامي».

ثانياً – أشار بوتين إلى المقدمات التاريخية لهذا التقارب المتبادل قائلا » على امتداد قرون عديدة ارتبطت روسيا كدولة أوراسية ارتباطا متشابكا مع العالم الإسلامي بأواصر طبيعية وتقليدية… وعلى مدار القرن العشرين أيدت روسيا العديد من بلدانكم في سيرها نحو الاستقلال الوطني… وكنا الحلفاء الرئيسيين لعدد كبير من الأقطار العربية والإسلامية».

ثالثاً – أعرب الرئيس الروسي عن رأيه بوضوح في شأن محاولات ربط الاسلام بالإرهاب فقال :»لا يجوز الخلط بين الإرهاب، و بين أي دين أو تقليد ثقافي أو نمط حياتي. ونحن نرفض قطعاً أية نعوت تلصق بالمسلمين, ولا يضع علامة المساواة بين المسلم والإرهابي إلا المغرضون».

رابعاً – أعلن فلاديمر بوتين عن الآفاق الإستراتيجية للتعاون بين روسيا و العالم الإسلامي قائلاً:» إن تعاوننا في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي يمكن أن يغدو من اليوم عنصراً من أهم عناصر العالم الآمن العادل. وهو قادر على توفير ساحة حل للعديد من المشاكل الدولية والإقليمية. والجمع بين مواردنا المالية والتقنية والإدارية يمكن أن يغدو عاملاً فعالاً في السياسة العالمية وبدايةً للتقدم في العديد من الاتجاهات في الاقتصاد العالمي. ومن مصلحة العالم الإسلامي أن يكون له حليف قوي و وفي يسهل التكهن بنواياه مثل روسيا الاتحادية».

2 العالم الإسلامي على المسرح الدولي

العالم الإسلامي اليوم يمثل أكثر من 1.3 مليار مسلم يعيشون على وجه البسيطة. ويشكل أتباع هذه الديانة معظم السكان في أكثر من 40 دولة. وهم في عدد من الدول أقلية لها وزنها ونفوذها. ويقيم أكثر من 50 مليون مسلم في ما يسمى بالشمال الإسلامي – روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى.

وتتصدر قائمة أكبر الدول الإسلامية إندونيسيا – 210 ملايين نسمة، وباكستان حوالي 150 مليون، وبنغلادش أكثر من 110 ملايين، ونيجيريا حوالي 80 مليوناً، وإيران أكثر من 65 مليون، وتركيا حوالي 65 مليون، ومصر أكثر من 60 مليون، والمغرب أكثر من 30 مليون، والجزائر حوالي 30 مليون، والسودان أكثر من 25 مليون، وأوزبكستان والمملكة العربية السعودية أكثر من 20 مليون في كل منها؛ وفي الهند تجاوز عدد المسلمين 140 مليوناً.

كما يزداد عدد المسلمين بسرعة خارج أقطار المنطقة الإسلامية التقليدية. ففي الولايات المتحدة حوالي 10 ملايين مسلم, وفي فرنسا حوالي 6 ملايين، وفي البرازيل أكثر من 5 ملايين، وفي ألمانيا 3.5 ملايين، وفي بريطانيا أكثر من 1.5 مليون، وفي إيطاليا أكثر من مليون، وفي اليابان حوالي مليون، وفي هولندا حوالي مليون مسلم.. ويبلغ إجمالي عدد المسلمين في الاتحاد الأوروبي أكثر من 15 مليون مسلم، ينتظر أن يزداد تعدادهم إلى 40 مليون في العام 2010 م. و يضطر أحد الباحثين من المتحاملين على الإسلام إلى الاعتراف بأن اقتصاد العالم الغربي مزدهر على حساب الأيدي العاملة الوافدة ومعظمها من المسلمين.

ويعتبر الخبراء الإسلام الديانة الأكثر حيوية وقدرة على الحياة ومواكبة العصر. ففي أواخر السبعينيات من القرن العشرين كان المسلمون يشكلون 15-16 بالمائة من سكان المعمورة. أما في العام 2000م فقد شكلوا خمس سكانها. وتفيد تقديرات الخبراء أن المسلمين سيشكلون في العام 2025م ما لا يقل عن 30 بالمائة من سكان الأرض.

إن الأهمية الجيوسياسية و الجيواقتصادية للمنطقة الإسلامية في العالم المعاصر تتزايد باطراد. وذلك في المقام الأول بفضل الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز والثروات المعدنية الأخرى، وإلى ذلك فالعالم الإسلامي هو سوق ضخم، وتلتقي في هذه المنطقة أهم المواصلات الجوية والبرية التي تربط أوروبا بآسيا، وتشهد تحركاً كبيراً للرساميل العالمية.

العالم الإسلامي اليوم هو عشرات المنظمات الدولية الكبرى التي توحد وتجمع بين الأقطار الإسلامية. وأكبرها نفوذاً منظمة المؤتمر الإسلامي التي تأسست عام 1969 وتضم 57 دولة (منها دولتان في أوروبا وأميركا اللاتينية وستة دول من رابطة الدول المستقلة ). وقد شكلت المنظمة شبكة واسعة من المؤسسات الموحدة والمرتبطة بها مثل البنك الإسلامي للتنمية بالاضافة إلى العديد من الهيئات التابعة لها على غرار اليونسكو واللجنة الاولمبية والهلال الأحمر وسواها.

ثم إن العالم الإسلامي في الوقت نفسه هو آلاف المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والاجتماعية غير الحكومية التي تشكل منظومة متشعبة من شبكات الاتصال على مستوى شتى الجماعات والهيئات الاجتماعية والمهنية والتعاونية وسواها في العالم الإسلامي كله.

وخلال العقدين الماضيين ازداد طول عمر سكان العالم الإسلامي بالمتوسط بنسبة 15-17 في المئة, فيما تقلصت نسبة الفقراء بينهم وازداد عدد المتعلمين والمثقفين، و تحسن مستوى التعليم، كما ازدادت كثيراً أعداد الطلبة. إلا أن البطالة السافرة والمقنعة في أقطار الشرق الأوسط في أوساط الشباب تشكل في الوقت ذاته ما لا يقل عن 20-25 بالمائة.

إن العالم الإسلامي يضم جماهير من البشر تدرك على الرغم من كل الفوارق فيما بينها من حيث الثقافة والذهنية والتقاليد الوطنية والدينية أنها تنتمي إلى أمة إسلامية واحدة تاريخياً وروحياً ودينياً. إن المجتمع الإسلامي العالمي الذي تشكل الديانة الإسلامية نواته يتكون من مئات الملايين من الناس المشبعة حياتهم بروح الإسلام وقيمه وأصوله ومبادئه السامية.

والتضامن الإسلامي الذي بات في الحال الحاضر حقيقة معترف بها من قبل الجميع خارج المنطقة الإسلامية أيضاً، لا يقوم على وحدة العقيدة فحسب, بل وعلى الأحاسيس النابعة من أركان الإسلام وعلى الموقف القيمي الواحد حيال الناس والمجتمع والعالم والمستقبل. يقول أحد أبرز المختصين الروس في هذا الموضوع » إن التضامن الإسلامي الحضاري أمر لا ريب فيه اليوم». ويوافقه الرأي مستشرق غربي يؤكد على مدى تشابه المجتمعات الإسلامية رغم الفوارق التي لا جدال فيها وفي ذلك تكمن روعتها.

علماً بأن العالم الإسلامي أقرب من غيره إلى التراث المسيحي في أصوله الدينية «التوحيد وتفسير الدين على أنه من وحي إبراهيم عليه السلام، والتعليل الديني للأصول السلوكية واحترام السيد المسيح».

وأهم فارق ديني واجتماعي بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية يتلخص في كون نظام القيم الأوروبي الحالي قائماً على الفرد وخصائص حياته الداخلية؛ وفي هذا الشأن نورد مقولة جان بول سارتر بهذا الخصوص» الفردية هي الشمولية التي تفقد عموميتها باستمرار»، وخلافاً لذلك فإن قاعدة القيم الاجتماعية بالنسبة للعالم الإسلامي قائمة على الولاء للجماعة والأمة الإسلامية ونصرتها.

ويلاحظ أن مصالح روسا في العلاقات مع العالم الإسلامي ككل، لا تتطابق دوماً مع مصالحها في العلاقات المتبادلة مع دول إسلامية على حدة. فلئن كان البعد الإسلامي في منأى عن الاتصالات مع هذه الدولة الإسلامية أو تلك، فإن هذا البعد في العلاقات مع العالم الإسلامي ككل عامل هام جدا حتى وإن لم يتشكل ظاهرياً.

الراديكالية في العالم الإسلامي
يرى كثير من الخبراء أن تجذر الراديكالية في العالم الإسلامي له دوافعه وعوامله الداخلية و الخارجية.
وأهم العوامل الخارجية الرئيسة التي لها تأثير جوهري ومباشر على نمو الراديكالية في العالم الإسلامي، هي الأزمات القسرية والنزاعات والتدخل المباشر في شؤون المنطقة مثل: النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، والسياسة الصهيونية في الشرق الأوسط، ودعم الولايات المتحدة السافر لإسرائيل، والسياسة السوفيتية في أفغانستان، وفيما بعد الغزو الأمريكي لها وللعراق.

ومن أشد الفواجع بالنسبة للعالم الإسلامي قضية الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشريف إحدى المدن المقدسة الثلاث لدى المسلمين. ففيها المسجد الأقصى الذي يتمتع بأعظم الاحترام والتقدير لدى كل المسلمين.

هذه البقعة المقدسة بالنسبة لجميع المسلمين تقع الآن في الأراضي التي تحتلها، سلطات الاحتلال الإسرائيلية. وإسرائيل هي الحصن الأمامي المتقدم للولايات المتحدة. فبمساعدة الأمريكيين مباشرة, كما تقول أصابع الاتهام الموجهة إليهم، تمكن الصهاينة من الاستيلاء على القدس الشريف.

معظم الأقطار الإسلامية لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل, وكل علماء العالم الإسلامي مسموعي الكلمـة يفتون بشرعية مقاومة الاحتلال، وبحق عرب الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل في القيام بأية أعمال وعمليات عسكرية ضد المعتدى، وفي إطار هذا المفهوم يعتبر العالم الإسلامي عمليات الاستشهاديين الفلسطينيين عملاً مشروعاً وبطولياً مثل تضحية الجندي الروسي ألكسندر ماتروسوف الذي أغلق فوهة مدفع العدو بجسده، ومثل الطيار غاستيلو والفدائيين السوفييت إبان الحرب العالمية الثانية.

إلا أن معظم علماء المسلمين في الأقطار الإسلامية يفرّقون بين العمليات الجهادية للفلسطينيين وبين العمليات الإرهابية التي تجري في بلدان أخرى في العالم. فعلى سبيل المثال فإن أشهر العلماء السعوديين المعروفين في العالم الإسلامي بأسره يصفون جماعات الغلاة والمتطرفين الضالعين في العمليات الإرهابية في المملكة العربية السعودية بالخوارج على غرار خوارج العصور الوسطى.

وكان الشيخ عبد الله التركي أمين عام رابطة العالم الإسلامي الذي زار موسكو سنة 2003م، اعتبر المسألة الشيشانية شأناً روسياً داخلياً يخص روسيا وحدها، وقال أن الأحداث في جمهورية الشيشان تختلف في نظر الرأي العام الإسلامي اختلافاً مبدئياً عن النزاع في فلسطين. وأدان بشدة أفعال الإرهابيين الذين احتجزوا الرهائن في المسرح على شارع دوبروفكا في موسكو، واعتبر هذه الفعلة «اعتداءً» حسب نصوص الشريعة الإسلامية.

وأثناء زيارته موسكو في سبتمبر 2004 وصف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني العملية الإرهابية المرعبة في بيسلان عدوانا سافرا على روسيا وعلى العالم الإسلامي.

والرأي الشائع في الأقطار الإسلامية يميل إلى اعتبار محاولات الضغط القسري المباشر المتزايدة على العالم الإسلامي نتيجة لانقسام المنظومة العالمية الفعلي إلى شطرين: «المليار الذهبي»، و القسم المتبقى والذي تقطنه أغلبية الأقطار الإسلامية.

ومعروف أن اتساع نطاق الفقر من أحلك الخصائص غير المعلنة رسمياً لعملية العولمة. «فالاغنياء يصبحون أكثر غنى والفقراء أكثر فقراً»، ليس فقط على نطاق بلد معين بل على نطاق قارات بأكملها والمعمورة بأسرها. ففي الخمسينات كانت نسبة الناتج الوطني الإجمالي للفرد الواحد بين سكان الدول الغنية والفقيرة حوالي 20 إلى 1، وفي العام 1970م، بلغت النسبة 30 إلى 1 و في نهاية التسعينات قفزت النسبة إلى 75 إلى 1.

إن العولمة بصيغتها الراهنة عاجزة من حيث المبدأ عن جعل العالم عادلا, فيما يعتبر الإسلام العدل من أسمى القيم الاجتماعية. وتؤكد التقاليد الإسلامية أن العدل و إقامته بين الناس من الأهداف الرئيسة للوحي والتنزيل، ومن أهم واجبات الرسل والأنبياء. ولذلك يمكن اعتبار الراديكالية رد فعل طبيعي على الظلم والضغوط القسرية التي يواجهها العالم الإسلامي, لأن من واجب كل مسلم أن يقاوم كل أنواع الظلم والقهر.

ويعتقد عدد كبير من الخبراء أن تجذر الراديكالية في المجتمع الإسلامي ناجم أيضاً عن المحاولات لنشر أنماط الحياة الغربية قسراً، والغزو الفكري الغربي الذي يتعارض في الغالب مع الأخلاق الإسلامية التقليدية, وكذلك عن السعي لفرض أشكال سلوكية «لا أخلاقية»، تتنافى مع أصول الشريعة الإسلامية ومبادئها مثل «تعاطي المسكرات والبغاء، وزواج المثل، وما إلى ذلك».

ويعتقد المسلمون أن فرض نماذج الحداثة الغربية عليهم، سيؤدي حتماً إلى فقدان هويتهم الدينية والثقافية والتاريخية.

من المعروف أن الراديكاليين في أي مجتمع إنما هم أقلية في ذلك المجتمع، والراديكاليون في العالم الإسلامي هم القسم الأكثر نشاطا بالرغم من قلة عددهم. إلا أن وزنهم بحساب المؤازرين لهم يعتبر كبيراً، ويشكلون مع مؤازريهم شريحة هامة في حياة العالم الإسلامي وذهنيته ووعيه. ولذا فإن الانطلاق من مقولة «إما الحياة وإما الموت» على اعتبارها الشكل الوحيد للتعامل مع الراديكاليين والغلاة، وهمٌ سياسي ينطوي على مزالق ومخاطر جمة. فالحوار في السياسة عنصر إلزامي دوماً. يقول بسمارك «أن قوة الراديكاليين ليست في الأفكار المتطرفة لغلاة زعمائهم، بل في مقدار المطالب المعتدلة التي لم ينفذها أحد في الوقت المناسب».

3 الأمة الإسلامية في روسيا

تعود أهمية العامل الإسلامي في حياة المجتمع في روسيا الاتحادية إلى طبيعة الدولة الروسية المتعددة القوميات والأديان. وتتكون الأمة الإسلامية في بلادنا بمعظمها من أبناء شعوب أصيلة تقيم في روسيا من قبل ما لا يقل عن ألف وخمسمائة عام وقد اعتنقت الإسلام من قرون طويلة (بعض تلك الشعوب اعتنق الإسلام قبل ظهور المسيحية في روسياالقديمة). ويبلغ عدد المسلمين في روسا 20 مليون مسلم تقريبا. ويصل هذا العدد إلى حوالي 26 مليون بحساب الوافدين.

إلا أن التأثير الفعلي للأمة الإسلامية في روسيا أعلى من نسبة المسلمين بين السكان. ويعود ذلك إلى جملة عوامل منها أن المسلمين الروس أنشط من باقي السكان (يظهر ذلك جلياً أثناء الحملات الانتخابية).
وللعامل الاقتصادي أهميته أيضا. فإن حوالي 30% من العاملين في قطاع الأعمال الروسي المتوسط والصغير يعتبرون أنفسهم من المسلمين. ثم إن الأمة الإسلامية الروسية في ظل العولمة الإعلامية لا يمكن أن تبقى في معزل عن العمليات التي تمس العالم الإسلامي وتشغل باله.

بيد أن الأمة الإسلامية الروسية مشتتة عملياً في الوقت ذاته. فهي موزعة بشكل واحات إقليمية وقومية متباعدة. وثمة خلافات شخصية وتناقضات جماعية داخل الزعامات الإسلامية في روسيا.

ويعتبر غياب هرم الإدارة أو تدرج توجيه الحياة الدينية من خصائص الإسلام السني (يشكل السنة 90 % من مسلمي العالم. وفي روسيا جميع المسلمين تقريبا من السنة ).

وفي عهد روسيا القيصرية شكلت السلطات أربعة مراكز إسلامية إقليمية كبيرة، وكان أمير بخارى وخان خيوة أعضاء في مجلس الدولة الامبراطوري وشاركا في جميع المراسم، بما فيها مراسم جلوس الإمبراطور على العرش. وكان الإمبراطور الأرثوذوكسي يتشاور مع زعماء المسلمين في روسيا ويحمل لقب «حامي المؤمنين» وفي الاتحاد السوفياتي أيضا كانت هناك أربع إدارات دينية كبيرة للمسلمين, إلا أن السلطات تجاهلت أساسا القدرات الدينية(الإسلامية والنصرانية) للمجتمع, ما عدا فترة الحرب العالمية الثانية.

أما في روسيا الاتحادية فقد تقوضت البنى الهرمية المصطنعة السابقة التي كانت السلطة السوفيتية أنشأتها للتحكم في رقاب المسلمين، ونشأت بدلا عنها 40 إدارة دينية أويزيد.

وكانت حياة مسلمي روسيا في الماضي تتميز بغياب الغلو والتطرف الديني. فالمسلمون كانوا يتحلون بالصبر والتسامح حتى في بعض فترات التاريخ الروسي التي شهدت أوضاعا سياسية غير ملائمة في الداخل، إلا أن الميول المتطرفة الراديكالية ظهرت في السنوات الأخيرة بين قسم من مسلمي روسيا. وساعد على ظهورها العوامل التالية:

أ‌) تردي الأوضاع المعيشية وغياب الأمل في المستقبل :
هبوط مستوى المعيشة الشديد وتدهور الحالة الاقتصادية لمعظم المناطق الزراعية الإسلامية وعدم توافر القروض لممارسة عمل المؤسسات التجارية والصناعية، الصغيرة والمتوسطة، والفارق الهائل في مستويات مداخيل المواطنين الذين أثروا فجأة، وعامة الناس في المناطق الإسلامية خاصة، والفساد المستشري محلياً، ومستوى البطالة العالي وخاصة بين الشباب حيث بلغ في عدد من مناطق القوقاز الشمالي 80%, وتفسخ الأخلاق وتفشي البغاء والمخدرات وما إلى ذلك وتجنيد العاطلين وغير المتعلمين الشباب من قبل «تجار طعام المدافع» (تجار الحروب) للانخراط في صفوف التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون والشعور بالغربة لدى المسلم في المناطق الروسية الأخرى.

ب) ممارسات إزاحة المسلمين عن ميادين النشاط الاجتماعي:
تشويه دور الشعوب الإسلامية و الحط من شأنهم، في المناهج التعليمية وكتب التاريخ الروسي في المدارس الرسمية, الحملات المتكررة المعادية للإسلام التي تشنها وسائل الإعلام وإهانة مشاعر المسلمين، ممارسات التضييق على رعايا روسيا من المسلمين والوافدين من أقطار رابطة الدول المستقلة على أساس ديني وقومي في بعض المناطق الروسية ( عدم السماح لهم بتسجيل الإقامة وابتزاز المال منهم دون حق مشروع من قبل الشرطة والسلطات المحلية ومداهمة الطوائف الإسلامية أثناء صلاة العيد وما إلى ذلك)، وعرقلة بناء المساجد والامتناع عن تسجيل الجمعيات الإسلامية في المناطق التي تقيم فيها أقليات إسلامية وأكثرية أرثوذوكسية، وممارسة أعمال العنف بحق المسلمين من قبل التنظيمات المتطرفة، وتجاهل بعض زعماء الأقاليم والشرطة فيها لتلك الأعمال أو التحريض عليها.

ج‌) ضعف التعليم الاسلامي التقليدي
عدم وجود مؤسسات تعليمية دينية وفقهية عالية وتردي مستوى شبكة التعليم الاسلامي الابتدائي وقلة عدد مدارسه.

د) العوامل السياسية الخارجية
تبدل سياسة روسيا الاتحادية في بداية التسعينات حيال النزاع في فلسطين تبدلاً حاداً، والتخلي عن دعم حركة التحرر الوطني للشعب العربي الفلسطيني، ومحاولات المتطرفين الاسرائليين هدم و إزالة المسجد الأقصى، الذي هو من أهم الأماكن المقدسة لدى المسلمين والعدوان الأمريكي على العراق ومعاداة الإسلام في وسائل الإعلام الغربية و التهديدات الأمريكية للعالم الإسلامي بأسره.

ويمكن إيجاز المصالح الاجتماعية للأمة الإسلامية في روسيا على النحو التالي:
• الشعور بالمواطنة والجنسية الكاملة في الوطن الأم روسيا من دون الابتعاد عن العقيدة الإسلامية
• نموذج ثابت للعلاقة مع الدولة الروسية يؤمن احتراما للأمة الإسلامية الروسية في عقيدة الدولة وسياستها
• تقوية الأواصر مع الأمة الإسلامية العالمية
• تطوير شبكة خاصة بها للتعليم الإسلامي
• وجود موقع لها في المجال الإعلامي الروسي
• تطوير الحياة داخل المنظمات والطوائف الإسلامية وتوفير أسباب الراحة في الممارسات التقليدية اليومية كالمظهر الخارجي (عند النساء خاصة ) وإمكان شراء الذبائح الحلال وما إلى ذلك.

4- آفاق الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والعالم الإسلامي : السياق الدولي

إن السمة الحاسمة المميزة للعلاقات الدولية الشاملة حالياً، هي نظام القطب الواحد، الذي نشأت قواعد اللعبة فيه فور تفكك الاتحاد السوفيتي.

والمعضلة الإستراتيجية المفصلية في هذه المعادلة هي: هل تؤمن أحادية القطبية القدر اللازم من الأمن والاستقرار للعالم بأجمعه وإمكانية التكهن بالمستقبل، أم أن المخاطر والتهديدات التقليدية ستزداد فيه، بل وستظهر أزمات جديدة مبدئيا وطويلة الأمد ويتزايد الغموض الذي يلف مستقبل البشرية، ويتقلص التحكم بالمنظومة الدولية القابلة للخروج عن السيطرة, مما يؤدي إجمالا إلى أزمة بنيوية عالمية شاملة؟

وتعود هذه الأزمة بالدرجة الأولى إلى كون عصر الموارد الطبيعية المستنفذة الرخيصة على كوكب الأرض, وبخاصة موارد الطاقة، قد انتهى؛ فعلى أساس النفط الرخيص بالذات تطور نظام الاقتصاد العالمي الشامل الحالي. و يتحدث الكثيرون من الأخصائيين عن حلول «عصر النفط غالي وباهظ الثمن » الذي يتوقف سعره في ظروف الأزمة البنيوية العالمية المرتقبة ليس على العوامل الاقتصادية فقط، بل وعلى العوامل السياسية والجيوسياسية كذلك. ولذلك فإن الجولة الجديدة من الصراع للهيمنة على موارد الطاقة العالمية قد بدأت, وسوف يشتد هذا الصراع الضاري ويتصاعد باستخدام القوة أيضا.

تفيد معطيات وكالة التنقيب الجيولوجي الأمريكية أن احتياطات النفط في العالم تبلغ على وجه التقريب 3 تريليونات برميل. ويتضمن هذا الرقم حتى الموارد المحتملة نظريا بما فيها الاحتياطات غير المكتشفة.

ووفق تقديرات شركة النفط البريطانية تبلغ الاحتياطات النفطية العالمية المكتشفة 1.15 تريليون برميل تقريبا. وإلى ذلك تشكل احتياطات الغاز الطبيعي العالمية 176 تريليون متر مكعب. وبمراعاة تزايد استهلاك الطاقة في العالم بأسره تكفي احتياطات النفط الأكيدة لثلاثين سنة تقريبا, واحتياطات الغاز لأربعين.

وخريطة التوزيع الإقليمي للاحتياطات النفطية الأكيدة كالتالي: الشرق الأوسط حوالي 60%، رابطة الدول المستقلة حوالي 15 % أميركا الشمالية (من دون احتياطات النفط الثقيل في الرمال القيرية والطفل البترولي في كندا)8 %، وأمريكا اللاتينية 6%, وإفريقيا 5% وآسيا 4.5% وأوروبا(من دون رابطة الدول المستقلة) 1.5 %.

وحسب معطيات مؤسسة النفط الألمانية» مينيرالو إيلويترز شافتس فيرباند» كانت الاحتياطات الأكيدة في أبرز عشر دول نفطية في العالم بداية سنة 2003 كالآتي: المملكة العربية السعودية 35.4 مليار طن، كندا (بناء على إعادة تقويم احتياطات النفط الثقيل والثقيل جدا) 24.2 مليار, العراق 15.1, الكويت 13, الإمارات 12.9, إيران 12.3, فينزويلا 10.9, روسيا 8.2, ليبيا 3.9، نيجيريا 3.3 مليار طن. ومن بين هذه الدول العشر سبع دول إسلامية.

ولا يزال النفط الأساس الذي لا غنى عنه للاقتصاد المعاصر: فعلى النفط يقوم نظام النقل في العالم الحديث، وعليه تعمل المؤسسات الكيماوية، وبه تبنى القاعدة المادية لإنتاج المواد الاستهلاكية (التغليف والأوعية والأثاث الخفيف والجيد النوعية والثياب والاحذية والأدوات المنزلية والمساكن والسيارات ) وجزء كبير من مشاريع توليد الكهرباء وهلمجرا.

إن الاستهلاك العالمي يزداد لدرجة لا تعوض عنها حتى الاكتشافات الجديدة للموارد النفطية حاليا. ويشكل العجز النفطي في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان وكوريا في الحال الحاضر26 مليون برميل يوميا على وجه التقريب, فيما تصدر أقطار أوبك بمجموعها ما لا يزيد عن 26 مليون برميل في اليوم. وبلغ إجمالي الاستهلاك العالمي من النفط سنة 2004 م 75-77 مليون برميل في اليوم. وحتى عام 2010 سيزداد الاستهلاك إلى 93-97 مليون برميل يوميا, ويبلغ في العام 2020م 110-120 مليون برميل. فالاقتصاد الصيني السريع النمو يستهلك اليوم مثلا 200 مليون طن سنويا, فيما سيستهلك العام 2020 م 400 مليون طن.

وتفيد تقديرات الخبراء أن الزيادة السنوية لاستهلاك النفط في العالم سنة 2050 ستبلغ 2-2.5 %, أما النمو السنوي لاستخراج النفط فلن يتجاوز 1-1.5 % حسب أكثر التقديرات تفاؤلا. وإلىٍ ذلك ثمة رأي يتحدث عن «ذروة الانتاج النفطي» التي يتوقعون لها أن تحل في حدود السنوات العشر أو الخمس عشر القادمة.

ومعروف أن تقديرات نادي روما توقعت, وفق حسابات رياضية أجريت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين, حلول هذه المرحلة الحتمية الجديدة في تطور البشرية على تخوم القرنين العشرين والحادي والعشرين كما قيل آنذاك.

بديهي أن المنافسة العالمية على إمكانية الوصول إلى الثروات المعدنية غير القابلة للتجديد, وخاصة النفط والغاز, ستزداد حتما, وستشتد الرغبة في استخدام القوة في هذه المنافسة. وعملياً فإن هذه العملية قد بدأت فعلا.

فالولايات المتحدة زعيمة » العالم ذي القطب الواحد» تستخدم قدراتها الاقتصادية والعسكرية من خلال آليات وسبل سياسية وقسرية للحصول على منفذ خصوصي، لا تعترضه المنافسة التقليدية المشروعة، للوصول إلى الموارد العالمية. وليست هذه الدعاوى من بنات الصدف في إطار ميزان القوى العالمي الراهن. فقد أعلن الرئيس الأمريكي المنتخب جورج بوش, فور انتهاء مراسم التنصيب, إن تاريخ العالم في الخمسمائة عام الماضية كتبه الآخرون, وحان الوقت الآن ليكتبه الأمريكيون. ولن يكون للولايات المتحدة التي تستهلك قسما كبيرا من موارد الطاقة العالمية (حصتها من النفط وحده زهاء 30% من الاستهلاك العالمي) مستقبل وضاء فيما لو ظهر منافسون لها بنفس القوة.

علق الكاتب والمفكر الأمريكي الشهير غور فيدال على ذلك قائلا: «تلقى الكونغرس من رئيس الدولة في سبتمبر 2003 م وثيقة معنونة» إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة «. ولكي نعرف حقيقة الأشياء, كما يقول المؤرخ جوزيف ستروبيرغ, ينبغي أن نقرأ ما يكتب. وها نحن نقرأ في الوثيقة المذكورة آنفاً أن من المرغوب فيه أن تتحول الولايات المتحدة إلى دكتاتور عالمي أو شرطي عالمي على حد تعبير آدمس. وإلى ذلك جاء في الوثيقة المذكورة كلام عن أمر كما لو كان أمراً مفروغاً منه وهو أن الرئيس ونوابه لهم الحق في إدارة المعمورة بأسرها. و كما جاء في الوثيقة » إن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع» ثم تتناول الوثيقة ما تسميه نظرية الهجوم الوقائي أو الاستباقي : بهدف الدفاع عن النفس، وانطلاقا من العقل السليم ستكافح الولايات المتحدة في المستقبل الخطر أيا كان قبل أن ينشأ بالكامل».

وقد علق أحد الحقوقيين الروس المعروفين على الوضع الراهن للعالم أحادي القطبية بدقة حيث قال :»ان الدولة الطاغية شغلت مكان الفرد الطاغية (الفرعون والملك والقيصر والإمبراطور)».

ولقد باتت الأقطار الإسلامية وروسيا معا في لجة المطامع الإستراتيجية لأبرز اللاعبين العالميين لسبب أساسي هو بدء عصر موارد الطاقة الباهظة الثمن. فإن حصة روسيا والعالم الإسلامي تتجاوز ثلثي جميع احتياطيات النفط والغاز المكتشفة والأكيدة في العالم.

ولذلك فإن صياغة خط استراتيجي واضح لروسيا حيال العالم الاسلامي أمر تمليه المصلحة السياسية بالذات.

وتسمي أوساط سلطوية معينة في الولايات المتحدة الكفاح السياسي والعسكري ضدالعالم الاسلامي » نضالا في سبيل الديمقراطية للشرق الاوسط الكبير». وقال نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني بصيغة أكثر براغماتية من هذه الناحية » ذلك هو أعظم عملية بناء في عصرنا ( لاحظوا : «لعصرنا» أي عصرهم هم, فهل من دلالة أوضح من هذه الدلالة؟).

إلا أن التنافس على إقامة «علاقات خصوصية» مع العالم الاسلامي يشتد في الوقت ذاته بين اللاعبين العالميين على الساحة الدولية.

ومن حيث المستقبل القريب والمتوسط ستجد روسيا دوماً في الساحة العالمية شركاء (ومنافسين في الوقت ذاته) يبدون استعدادهم لتطوير العلاقات مع بلادنا, ويعود ذلك من الناحية البراجماتية إلى أربعة عوامل أساسية:
وجود القدرات النووية الروسية،
والموارد التصديرية للنفط والغاز،
والموقع الجيوسياسي والجيوإقتصادي الخصوصي لروسيا،
ومدى استعداد روسيا للتقيد بقواعد » العالم الاحادي القطبية».

إلا أن تسارع بناء النظام العالمي الجديد يجعل روسيا تواجه ضرورة تحديد موقفها من حلفاء المدى البعيد أو المستقبل الأبعد.

فإن روسيا تنادي بمبدأ للنظام العالمي الجديد يجري فيه اتخاد القرارات المبدئية التي تمس سيادة الدول وأمنها القومي على أساس توازن مصالح جميع أطراف المنظومة العالمية. وكانت المصلحة الوطنية وستبقى في الأولوية دوماً. إلا أن البحث عن الحلول الوسط والتنازلات المعقولة من خلال المباحثات في إطار القانون الدولي أمرلا مفر منه ولا بديل له.

اللاعبون العالميون الرئيسيون ليست لهم مصلحة في عودة روسيا إلى مكانة الدولة العظمى القادرة على استعادة مصالحها الطويلة الأجل والذود عنها. فلا أحد بحاجة إلى منافس قوي جديد في منظومة القرن الواحد والعشرين العالمية النفعية المصلحية المستبدة.

والسؤال المبدئي الذي يطرح نفسه هو: لماذا تصر المؤسسة الرئاسية في الولايات المتحدة على اعتبار روسيا أحد أخطر خصومها الاستراتيجيين المحتملين على الرغم من تنازلاتها الجيوسياسية والجيواقتصادية الكبيرة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى؟ فبموجب الوثيقة التي أعدتها لجنة رؤساء أركان الجيش الامريكي » آفاق 2010 الموحدة» تجري بدأب وانتظام التحضيرات لنشر أحدث الصواريخ المجنحة النقالة ذات المدى التحليقي 5000 كلم على امتداد الحدود الروسية.

وتوضح الخارجية الأمريكية في وثائقها الرسمية هذا الموقف بادعاءات أن روسيا وقدراتها النووية الصاروخية تشكل تحديا فعليا لأمن اميركا على المدى البعيد، وذلك لان القيادة العسكرية والسياسية الروسية, ولاعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية, لن تتقبل مطلقا نظرية العالم الإحادي القطبية وهيمنة الولايات المتحدة الشاملة عليه. فيما أكد تقرير الرئيس الأمريكي حول قضايا الامن القومي لعام 2002 بهذا الخصوص أن أمريكا لن تسمح أبدا لدولة أخرى ان تجاريها أو تتفوق عليها من حيث القوة. وكيلا يحصل ذلك ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل أيضا على جعل قواتها المسلحة في حالة تأهب قتالي لتسديد الضربات الاستباقية إلى منافسها الاستراتيجي المحتمل.

وبود القيادة الروسية أن ترى في الولايات المتحدة الأميركية شريكا استراتيجيا لها في بناء المنظومة الجديدة للعلاقات الدولية لتضافر الجهود في التصدي للمخاطر والتحديات الأمنية المستجدة والتعاون في ضمان الاستقرار الدولي. إلا أن الولايات المتحدة منذ بداية تسعينات القرن العشرين تنتهج باطراد سياسة تطويق روسيا عسكريا. وفي هذه الحقبة تدرب الجيش الأمريكي في عدد كبير من المناورات المشتركة مع الحلفاء على الاستعداد لنشر الوحدات العسكرية على جناح السرعة في الاتجاه الروسي.

إن الموارد الطبيعية غير القابلة للتجديد والتي لدى روسيا احتياطي كبير منها (يتجاوز حسب بعض التقديرات 28 تريليون دولار) وفي مقدمتها احتياطات النفط والغاز تثير أطماع أبرز اللاعبين الدوليين. ومن هذه الناحية يعتبر تزايد الضغوط الخارجية على روسيا أمرا لا مفر منه في المستقبل المنظور.ويعتقد كثير من الخبراء أن العالم الإسلامي هو موضوعيا القوة العالمية التي لها مصلحة في وجود روسيا قوية سائرة نحو التطور والرقي كدولة عظمى. ويقوم هذا الموقف ليس فقط على التعامل البرجماتي مع اصطفاف القوى الحالي على الساحة الدولية وليس فقط على التجربة التاريخية المشتركة, وإنما أيضا وبالدرجة الأولى على توافق أو تقارب المصالح الجيوسياسية والاقتصادية وسواها.
فالعالم الإسلامي يمكن أن يغدو شريكا طبيعيا لروسيا في كثير من المسائل المبدئية بالنسبة لها والتي لا تستطيع بلادنا أن تتبوأ مكانها اللائق في العالم المتعدد الأقطاب من دون حلها.

إلا أن بعض السياسيين والمحللين حتى في روسيا نفسها يروجون لموضوعة تعذر التعاون الاستراتيجي المتبادل المثمر, بل وحتى لحتمية المواجهة في العلاقات بين روسيا الاتحادية والعالم الإسلامي.

غير أن أحد أبرز السياسيين الروس يؤكد » إن القوى التي دمرت الاتحاد السوفيتي كمنافس لها على الساحة الدولية هي التي تعلق الآمال اليوم على ورقة الصراع بين المسلمين و الأرثوذكس».

5- الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والعالم الإسلامي: مصالح الطرفين

أ‌) مصالح الدولة الروسية:

العالم الإسلامي شريك جيوسياسي لروسيا
لقد كانت لروسيا الاتحادية كدولة ذات سيادة وستكون لها دوما مصالح جيوسياسية معينة تماما، يعتبر الذود عنها واجبا لأية قيادة في روسيا. وفي المستقبل المرئي، وفي هذا الإطار, يظل الشرقان الأدنى والأوسط, العالم العربي وتركيا وإيران وأفغانستان و جمهوريات آسيا الوسطى وجنوب القوقاز, أي المناطق المتاخمة لحدود روسيا مباشرة، مناطق للمصالح الحيوية الروسية الهامة.

و من الناحية العسكرية الإستراتيجية فإن للدولة الروسية مصلحة دائمة، في تقليل التهديدات العسكرية والسياسية المحتملة من الناحية الجنوبية إلى حدها الأدنى. ويمكن تحقيق ذلك ليس فقط بتقوية العلاقات الثنائية مع دول إسلامية على انفراد بل وبالتقدم صوب الشراكة الإستراتيجية مع العالم الإسلامي بأسره.

عامل العالم الإسلامي بالنسبة لروسيا في ظروف «العالم الأحادي القطبية».
انطلاقا من وزنها الاستراتيجي الحالي ومن قدراتها الاقتصادية في الداخل يتم تحقيق مصالح روسيا في السياسة الخارجية من خلال إقامة علاقات متشعبة ومتعددة الأطياف والأصعدة مع مختلف البلدان. ولا بد من السعي إلى جعل هذه العلاقات تكتسب صفة إستراتيجية حتما وليس بالأقوال.

وفي التطبيق العملي تتوفر لروسيا، وهي تنظم الحوار الاستراتيجي مع العالم الإسلامي, فرص سياسية واقتصادية فعلية للتعاون مع باقي اللاعبين العالميين وتحقيق مهماتها الإستراتيجية.

وقد ارتسم تقارب المواقف السياسية لدى روسيا والعالم الإسلامي في الأحداث المتأزمة الكثيرة, ومنها أحداث العراق.
وكان مراقبون عن منظمة المؤتمر الإسلامي و جامعة الدول العربية حضروا الانتخابات الرئاسية في الشيشان وشهدوا على مصداقيتها. وصوتت روسيا لصالح قرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة الاخيرة الرامية إلى تسهيل ظروف المعيشة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأيد الوفد الروسي قرار محكمة العدل الدولية في شأن عدم شرعية الجدار العازل الذي يكرس ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية لإسرائيل.

دور العامل الإسلامي في تأمين الاستقرار الدائم في المجتمع الروسي.
روسيا دولة متعددة الأديان. والأمة الإسلامية في روسيا هي الثانية من حيث العدد بعد الارثوذكس. ولذا فإن العلاقات المتبادلة بين روسيا والعالم الإسلامي تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على الاستقرار السياسي داخل البلاد.

إن المقدمة الفعلية للاستقرار في المجتمع هي منظومة القيم الأخلاقية والروحية الأساسية لذلك المجتمع. و من تلك القيم المفصلية في التقاليد الروسية مبدأ العدل. والعدل في الوقت ذاته، كقيمة اجتماعية أساسية, يلازم الفكر الاجتماعي الإسلامي أيضاً.

و في هذا الاتجاه أعلن المطران كيريل مدير قسم العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو » إن القيم الأخلاقية والروحية التي تتمسك بها الارثوذكسية قريبة جدا من حيث الجوهر مما يعلنه الإسلام اليوم.»

وفي مؤتمر صحفي مشترك عقده المطران كيريل وآية الله العظمى متذكري في موسكو أدان الرجلان بشدة نظرية العالم الأمريكي المعروف هنتينغتون القائلة بحتمية اصطدام الحضارات في العالمين الإسلامي والنصراني في القرن الحادي والعشرين. وشددا على الطابع الاستفزازي لمثل هذه الآراء حول كلتي الديانتين السماويتين.

تلاحم العالم الإسلامي.
العمليات التكاملية في العالم الإسلامي تتطور على مختلف الأصعدة، الرسمية وغير الرسمية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وهي تشمل مختلف الشرائح والأطياف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وتلاحظ تلك الاتجاهات التكاملية, أول ما تلاحظ، في الميدان الاقتصادي. فخلال السنوات العشر الأخيرة مثلا ازداد الرأسمال الأساسي المدفوع للبنك الإسلامي للتنمية الذي هو مؤسسة دولية مفصلية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي إلى 8 مليارات دينار إسلامي (أكثر من 12 مليار دولار أمريكي) متفوقا في هذا المؤشر الرئيسي على بنك الاعمار والتنمية الدولي. وقد بدأ دفعة واحدة تنفيذ عدة برامج متوازية لانتقال العالم الإسلامي إلى عملة واحدة. وتألفت مجموعة » الدول الإسلامية الثمانية الكبار» التي باتت حصتها تعادل 8 % تقريبا من التجارة العالمية. وترسخ بين كبار الخبراء في الأقطار الإسلامية الرأي القائل بأن زيادة العائدات النفطية يمكن أن تستخدم لتكوين سوق مشترك متكامل للعالم الإسلامي.

ويؤدي اشتداد ضغط العالم الإحادي القطبية على العالم الإسلامي إلى ردود فعل جوابية في ميادين أخرى أيضا, ويجري تقارب المواقف في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك), كما تتضافر جهود ومواقف الأقطار الإسلامية حيال الأزمة العراقية وتظهر فضائيات عربية مشتركة وهلمجرا.

إلا أن الكثيرين من السياسيين والشخصيات الاجتماعية في الأقطار الإسلامية يعربون في الوقت ذاته عن قلقهم وعدم ارتياحهم من بطء سير عمليات التكامل في العالم الإسلامي بوتائر غير كافية في اعتقادهم. وهم يرون أن التحديات الخطيرة التي تواجهها الأقطار الإسلامية تتطلب التعجيل في العمليات التكاملية.

و من الأسباب الرئيسية التي تجعل العالم الإسلامي لا يزال بعيدا عن التلاحم الفعلي على المسرح العالمي طغيان المصالح الخصوصية لبعض الأقطار – رغم التصريحات والبيانات الكثيرة – على المصالح العامة للعالم الإسلامي ككل.

والسبب الهام الآخر هو أن العديد من اللاعبين العالميين الرئيسيين في العالم الإحادي القطبية ليست لهم موضوعيا مصلحة في تلاحم العالم الإسلامي, ويعتبرون ذلك التلاحم تهديدا لعلاقاتهم المميزة مع بعض الأقطار الإسلامية.

ولكن تعجيل العمليات التكاملية في العالم الإسلامي يستجيب لمصالح روسيا بعيدة الأجل. وإلى ذلك فإن بلادنا يمكن وهي فعلاً قادرة أن تساهم في هذه العمليات بشكل أنشط.

أولا- لروسيا مصلحة في تقوية أية جهة عالمية تدعم جهود بناء العالم العادل الجديد المتعدد المراكز والأقطاب.
ثانيا- التكامل الناجح للعالم الإسلامي يوفر الإمكانية للنجاح في مكافحة «الإرهاب العالمي».
ثالثا- تعجيل العمليات التكاملية في العالم الإسلامي يعطي دفعا إضافيا لتطوير العلاقات الاقتصادية بين روسيا الاتحادية والأقطار الإسلامية. فالتكامل الاقتصادي للعالم الاسلامي يفترض ويتطلب بناء مجمعات صناعية ضخمة ذات طاقة هائلة، تعوض عن الاستيراد من الخارج. وفي إطار هذه المشاريع التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات تتوفر لدى روسيا بعض مزايا المنافسة القائمة مثلا على تجربة تعاون الاتحاد السوفيتي مع الاقطار العربية والاسلامية.
رابعا- يمكن للعالم الإسلامي في المستقبل أن يغدو أكبر شريك استراتيجي للمجمع الصناعي العسكري الروسي.
خامسا- تطور العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي المتضامن يفتح مجالا جديدا لتكامل المجال الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ذلك لإن جميع جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية سابقا وكذلك أذربيجان أعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي.

التعاون الاستراتيجي في سوق النفط العالمي.
طالما أن روسيا والعالم الإسلامي هما لاعبان أساسيان في سوق الطاقة العالمي فإنهما لا بد وان يتعاونا في هذا الميدان. وكانت روسيا في العام 2000 انضمت إلى قرار أوبك بتقليص الحصص التصديرية وأخذ الوفد الروسي يشارك على أساس دائم في جلسات قمة دول المنظمة في فيينا. واعتبارا من العام 2003 بدأ توسيع وتعميق هذا التعاون من حيث طبيعته ونطاقه.
وفي سبتمبر 2003 وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود اتفاقية التعاون في ميدان النفط والغاز، والتي تنص على التعاضد في تنسيق إرساليات المشتقات البترولية إلى الأسواق الخارجية، وتنفيذ مشاريع مشتركة للبتروكيماويات واجتذاب الرأسمال السعودي للاستثمار في الاقتصاد الروسي.

تتلخص المصالح المشتركة لروسيا والعالم الإسلامي في هذا المجال فيما يلي :

أولاً- زيادة عائدات تصدير النفط التي هي أهم عامل لضمان الاستقرار الاجتماعي في روسيا كما في معظم الأقطار الإسلامية المصدرة للنفط.
ثانياً- ضبط الأسعار العالمية الذي يمكّن الاقتصاد العالمي من التكيف لمرحلة » ذروة الإنتاج النفطي»، أي تحديد أسعار لا تتوقف على إرادة اللوبي السياسي في الأقطار المستهلكة، ولا على مضاربات كبار اللاعبين في البورصة وسوق المال.
ثالثاً- في ظل الصراع العالمي المتزايد على الموارد، فإن تأمين الرقابة الإستراتيجية على الموارد الطبيعية غير القابلة للتجديد تتسم بأهمية كبيرة لروسيا والعالم الاسلامي بحيث يبقى الريع الطبيعي في البلد المنتج للنفط.
رابعاً- من مصلحة روسيا والعالم الاسلامي المشتركة اتخاذ موقف موحد من القضايا الرئيسية : وضع آليات للأمن البيئي، وتنسيق الأعمال في ظروف التخريب النفطي أو الضغط الخارجي وهلمجرا.

وفي هذه الحالة يمكن إيجاد سبل واتجاهات عدة لتفعيل التعاون بين روسيا والعالم الاسلامي:
– تطوير التعاون الاستراتيجي في الأطر المؤسساتية لمعادلة أوبك- روسيا, أي وضع وتنفيد جملة اتفاقيات منها ما يتعلق بضمان الامن البيئي وتأسيس شركات كبرى مختلطة في ميدان تطوير تقنيات استخراج النفط واستراتيجية تطوير سوق النفط وما إلى ذلك.

– استحداث صندوق مختص (أوبك- روسيا) تستطيع الدول المنتجة للنفط أن تستثمر الأموال من خلاله في تنمية التقنيات التي تؤمن تطوير الصناعة النفطية بهدف استخدام القدرات التقنية لجميع الدول المشاركة وبالدرجة الاولى روسيا الاتحادية.

– تأليف اتحاد للشركات النفطية (الحكومية في المقام الاول) من الاقطار الاسلامية وروسيا يمكن في إطاره تطوير التعاون التجاري والتقني والجماعي والمساهمة المشتركة في كونسيرنيومات استخراج النفط وتكريره وتصديره.

القدرات الاستثمارية للعالم الاسلامي.
لروسيا مصلحة في اجتذاب استثمارات ضخمة، بعشرات ومئات المليارات من الدولارات، وتوظيفها في الميادين التقنية بالعلمة الرفيعة.
ويمكن الحكم على القدرات الاستثمارية للعالم الإسلامي من ضخامة استثمارات الأقطار العربية في اقتصاد أوروبا الغربية التي بلغت خلال السنوات القليلة الماضية عدة مئات من مليارات الدولارات سنويا.
ويشير عدد من الخبراء إلى جملة عوامل هامة مبدئياً تساعد على نمو استثمارات العالم الإسلامي في روسيا:

أولا: إن الاستثمارات المالية الناجحة بالمعايير الاقتصادية في السوق الأمريكي والأوروبي لا تشكل ضمانة للحفاظ على الرساميل المشتركة حتى فيما يسمى «بالسلال الزرقاء».

ثانيا: أموال بعض المستثمرين العرب تعرضت للتجميد بذريعة واهية هي «مكافحة الإرهاب الدولي».

ثالثا: الاقتصاد الروسي لا يزال يواجه استصغارا كبيرا لقيمته على الرغم من أن بعض معلومات الخبراء تفيد أن رأسمال الصناعة النفطية الروسية يمكن أن يزداد عدة أضعاف في المستقبل المتوسط الأجل.

يتطلب تحقيق الإمكانيات الملائمة المتوفرة اتخاذ التدابير التالية من قبل الجانب الروسي:

• وضع طائفة من القواعد الإضافية لضبط النشاط المصرفي تسمح للبنوك الإسلامية التي لا تعمل بالفائدة الربوية بممارسة نشاطها في روسيا.
• انتساب روسيا إلى البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسات الاقتصادية الدولية المرتبطة به.
• معالجة تمهيدية مع البنك الإسلامي للتنمية لعدد من المشاريع الاستثمارية.
• تنظيم منتديات اقتصادية لرجال المال والأعمال من الأقطار الإسلامية، برعاية البنك الإسلامي للتنمية, في موسكو ومدن روسية أخرى ومناطق إسلامية في روسيا.
• إعداد مقترحات في شأن » الاستثمارات الموازية» بين روسيا والعالم الإسلامي.

إن السياسة الاستثمارية الاستراتيجية في معظم الأقطار الإسلامية هي في المقام الأول سياسة حكومية. وإن زيادة دور الدولة تدريجياً في روسيا الاتحادية توفر الإمكانية لتعبئة الاستثمارات المتبادلة بفاعلية أكبر. ولا يمكن توظيف استثمارات ضخمة في الاقتصاد الروسي إلا في إطار الشراكة الإستراتيجية.

العالم الإسلامي والمجمّع الصناعي العسكري الروسي.
يشكل المجمع الصناعي العسكري الروسي مكونا هاما من مكونات تركيبة اقتصادنا وعنصرا مفصليا من عناصر منظومة الأمن القومي. ولا يزال هذا المجمع يمثل القطاع الأرقى من الناحية التقنية في الاقتصاد الروسي والذي يحتاج إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأمد.

والأقطار الإسلامية في الوقت الحاضر من أكبر مستوردي السلاح في العالم. وترتبط تجارة السلاح بالسياسات الطويلة الأجل للدول المعنية بها. ولذلك فإن التعاون الثابت في هذا الميدان لن يتم إلا في إطار الشراكة الإستراتيجية. ويمكن للعالم الإسلامي أن يغدو أكبر مستهلك لمنتجات المجمع الصناعي العسكري الروسي.

تطوير التعاون الاقتصادي.
لعبت عوامل عدة في إضعاف العلاقات الاقتصادية بين روسيا والعالم الإسلامي تدريجيا في التسعينيات ، كان من أهمها ميوعة الإستراتيجية الروسية الاقتصادية الخارجية، والتوجهات السياسية أحادية الجانب، وغموض المصالح الوطنية الروسية من حيث الاتجاهات الإقليمية، وفي إطار منظومة الاقتصاد العالمي ككل، وغياب أطروحة استعادة المواقع السابقة في التعاون مع الأقطار الإسلامية وتقوض البنى التنظيمية للروابط والعلاقات الاقتصادية مع تلك الأقطار وما إلى ذلك.

ويتطلب تصحيح الأوضاع, أول ما يتطلب, صياغة إستراتيجية جديدة في العلاقات الاقتصادية مع العالم الإسلامي. ولابد أن نراعي بهذا الخصوص بعض الوقائع الجديدة التي ظهرت في هذه المنطقة مثل تسارع العمليات التكاملية هناك. وارتباطا بذلك تبحث بشكل مكثف مقترحات لزيادة الاستثمارات الداخلية غي العالم الإسلامي لإنشاء بنية الأساس للسوق المشتركة المرتقبة وتكوين مناطق اقتصادية لتلبية الاستهلاك الداخلي في الأقطار الإسلامية.

وتتمتع روسيا في هذا المجال بطائفة من المزايا نجملها فيما يلي:

• توافر عدد من الميادين الصناعية ذات التقنية العالية (مجمع الطاقة وصناعة الطائرات والتعدين والصناعات التحويلية).
• الخبرة السوفيتية في بناء مشاريع الصناعة والطاقة في الاقطار الإسلامية.
• قدرة كافية على المنافسة وفقا لمؤشر «السعر- الجودة» في المصنوعات و الخدمات الروسية.

تعاون روسيا مع العالم الإسلامي في الميادين المختصة.
من المشاكل الأساسية التي تواجهها روسيا المعاصرة مشكلة تزايد تعاطي المخدرات. ويمكن هنا الاستفادة من الخبرة الايجابية التي تراكمت لدى بعض الأقطار الإسلامية في مكافحة الإدمان على المخدرات واحتواء إنتاج ونشر المخدرات. كما يمكن بهذا الخصوص تشكيل منتدى مختص لروسيا ومنظمة المؤتمر الإسلامي لتحليل هذه المشكلة وحلها.
ويمكن لهذا التعاون ان يثمر في عدد من القضايا المختصة الاخرى.

ب‌) مصالح العالم الاسلامي:

لكل الأقطار الإسلامية بالطبع مصالحها الوطنية. وفي بعض الأحيان تتعارض تلك المصالح مع المصلحة العامة للعالم الإسلامي ككل. إلا أن العالم الإسلامي لاعب فعلي في الميدان الجيوسياسي. وعلى الرغم من الفوارق بين مصالح الأقطار الإسلامية على انفراد يشمل مجال وحدة مصالحها ما يلي:

• تصفية التخلف في الميدان الاقتصادي
• ضرورة تطوير التقنيات الرفيعة
• حماية السيادة الدينية والسياسية والثقافية
• الشراكة الإستراتيجية مع الدول الطموحة إلى عالم متعدد المراكز والأقطاب، والتي لا تتطاول على قيم وتقاليد وأصالة وسيادة الأقطار الإسلامية
• ضمان الأمن المحلي بما في ذلك اقتناء الأسلحة العصرية وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية
• تعجيل العمليات التكاملية داخل العالم الإسلامي.

وفي إطار هذه المصالح تكتسب روسيا والمجتمع الأوروبي أكبر قدر من اهتمام العالم الإسلامي.

استعادة دور روسيا كدولة عظمى.
للعالم الإسلامي مصلحة في استئناف روسيا دورها الجيوسياسي كدولة عظمى.

و من الناحية الموضوعية فإن لروسيا والعالم الإسلامي مصلحة أكثر من غيرهما في بناء عالم متعدد الأقطاب. وتنطلق معظم الأقطار الإسلامية، في الوقت ذاته من أن روسيا بصفتها أحد أقطاب العالم المتعدد المراكز هي الاكثر استجابة لمصالح الامة الإسلامية الطويلة الأجل.

الإستراتيجية الروسية حيال العالم الإسلامي.
إن الأغلبية الساحقة من النخب في الأمة الإسلامية تريد لروسيا أن تحدد بمزيد من الوضوح خطها الإستراتيجي لتكون شريكا إستراتيجيا للعالم الإسلامي يسهل التكهن بتصرفاته.

والمطلوب في المقام الأول استعادة المستوى اللازم من الثقة والشفافية. وفي هذه الحالة يكون الشركاء الإسلاميون على ثقة من أن الطموح إلى تطوير التعاون الطويل الأجل مع العالم الإسلامي ليس مسألة مصلحيه وقتية بالنسبة للقيادة السياسية الروسية.

وهذا أمر في منتهى الأهمية, كون المؤسسة السياسية الروسية العليا الحالية تفرد مواقع خطيرة لجماعات تلتزم مواقف سلبية حيال تطوير العلاقات المتنوعة والمتكاملة مع العالم الإسلامي.

تقوية الاستقرار الداخلي في روسيا.
للعالم الإسلامي, ماعدا بعض المنظمات المتطرفة, مصلحة في الاستقرار الطويل الأمد داخل روسيا. وليس من قبيل الصدفة أن تؤيد منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية الجهود الرامية إلى إعادة جمهورية الشيشان إلى المجال الحقوقي لروسيا الاتحادية. وتدل التجربة التاريخية للسنوات الأخيرة بوضوح على أن غياب الاستقرار السياسي أو الاقتصادي في روسيا يؤثر سلبا على العلاقات بين بلادنا والعالم الإسلامي.

إن التصحيح الذي لوحظ في السياسة الخارجية الروسية و»الدفء» الواضح في العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي يفتحان آفاق التعاون الاستراتيجي الفاعل.

تطوير التعاون الاقتصادي مع روسيا الاتحادية.
في الظروف المستجدة ثمة عدة اتجاهات جديدة لرفع التعامل الاقتصادي إلى مستوى عال نوعيا، وهي:

أولا- وضع وتنفيد المشاريع الاقتصادية الطويلة الأمد والتي يؤمن الجانب الروسي في إطارها قسما كبيرا من التقنيات والتجارب والإنتاج, بينما يوفر الجانب الإسلامي قسما كبيرا من الاستثمارات ومستلزمات التسويق والتصريف.

ثانيا- وضع وتنفيد مخططات أعمال واسعة النطاق يشارك فيها الجانب الإسلامي، من خلال الدورة الإنتاجية فضلا عن المساهمة في التمويل ( على غرار الشركة الاوربية المختلطة لصنع طائرات الايروباص).

ثالثا- استخدام استثمارات البنك الاسلامي للتنمية والمؤسسات المالية الاخرى التابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي في بناء صناعات تشارك فيها روسيا باستخدام التقنيات الروسية لتغذية السوق الداخلي في الاقطار الاسلامية بالسلع والبضائع اللازمة.

وتتوفر لروسيا في الوقت ذاته امكانية تطوير صناعتها ذات التقنية العالية وتأمين المزيد من العمالة والتشغيل بالاضافة إلى تخصيص أموال كبيرة متفرغة للحاجات الاجتماعية وغيرها.

ج) مصالح مسلمي روسيا :

للمسلمين من رعايا روسيا مصلحة في تحسين علاقاتها مع جميع أقطار العالم. أما بالنسبة لتعاون روسيا مع أقطار العالم الإسلامي فللمسلمين الروس مصالح خصوصية نجملها فيما يلي:

• تنفيذ مشاريع استثمارية صناعية بالاشتراك مع بنك التنمية الإسلامي في المناطق الإسلامية من روسيا, بحيث يصدّر منتوجها إلى أقطار العالم الإسلامي.
• تنفيذ برامج استثمارية مشتركة بين المؤسسات المالية الإسلامية الدولية، ورجال الأعمال الروس بهدف توفير أماكن عمل في المناطق غير الموفقة اقتصاديا وذات الكثافة السكانية الإسلامية في روسيا وتصفية البطالة الواسعة في تلك المناطق وخصوصا شمال القوقاز.
• فتح حسابات القروض والائتمان من خلال ممثليات المؤسسات المالية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في روسيا لتمويل رجال الأعمال المسلمين ومنشآتهم المتوسطة والصغيرة التي تمارس صنع المنتجات الإسلامية وخصوصا الذبائح والأطعمة الحلال والألبسة.
• تأسيس مركز بنكي إسلامي في إحدى المناطق الإسلامية في روسيا تشارك فيه المؤسسات المالية للبنك الاسلامي للتنمية.
• تنظيم المنتديات والندوات الاقتصادية في الأقاليم الروسية (برعاية البنك الإسلامي والغرف التجارية الصناعية الإسلامية ) بهدف إقامة الاتصالات بين رجال الأعمال في روسيا والعالم الإسلامي.
• تنظيم شبكة «الزكاة » بمساعدة مؤسسات البنك الإسلامي لجباية 2.5 % من الدخل السنوي للمسلمين الموسرين في روسيا وإنفاقها على الحاجات الاجتماعية للفقراء والمحتاجين.
• توسيع التعاون الإعلامي مع العالم الإسلامي للحصول على المزيد من المعلومات عن حياة الأمة الإسلامية العالمية والاطلاع على الأحداث في روسيا.

د) مصالح قطاع الأعمال الروسي في العالم الإسلامي:
ثمة عدة عوامل ملائمة لقطاع الأعمال الروسي في هذه المنطقة وهي :
أولا – عدد من الصناعات في الأقطار الإسلامية (الصناعة الثقيلة والاستخراجية ومشاريع البنية التحتية والتعدين) «مرتبط» بالصناعات الروسية بحكم استخدام الأجهزة والتقنيات وقطع الغيار السوفيتية.
ثانيا- العديد من الاقتصادات الوطنية في الأقطار الإسلامية بحاجة إلى السلع الاستثمارية ذات المتانة العالية والديمومة والبساطة النسبية, لكنها ذات مردود كبير من الناحية الإنتاجية.
ثالثا- أوساط رجال الأعمال في العديد من الأقطار الإسلامية تبدي اهتماما فعليا بظهور المؤسسات الاقتصادية الروسية في الأسواق المحلية لتلك الأقطار. فقد صرح الأمين العام لمجلس تعاون دول الخليج العربية عبد الرحمن العطية بضرورة تفعيل حضور الشركات الروسية المنتجة لمعدات النفط والغاز في أسواق الأقطار العربية.

إلا أن المشكلة الاساسية التي يواجهها رجال الأعمال الروس في العالم الإسلامي هي غياب الآليات الفاعلة لتمويل صفقات التصدير وتوسيع أسواق التصريف. بما في ذلك :

• الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف لتجنب الازدواجية الضريبية,
• القروض الحكومية التسهيلية لتمويل الصفقات التصديرية مع العالم الاسلامي,
• شبكة الخدمات المصرفية لنشاط رجال الاعمال الروس في العالم الاسلامي,
• نظام تشجيع السلع الروسية بضمانات حكومية.

وهكذا يتطلب تفعيل نشاط رجال الأعمال الروس في أسواق العالم الإسلامي حل المهمات ذات الأولوية:
– إيجاد منظومة ائتمانية تسهيلية لإقراض نشاط رجال الأعمال الروس في أسواق العالم الإسلامي.
– توقيع اتفاقيات حكومية مع الأقطار الإسلامية المعنية حول قنوات الاقتراض التسهيلي لرجال الأعمال الروس في العالم الإسلامي.
– إيجاد شبكة ممثليات أو فروع لأكبر البنوك الروسية العامة والمتخصصة (الحكومية في بادئ الامر) مع اعتماد القنوات الائتمانية اللازمة لكل بلد على حدة بضمانات من الدولة الأجنبية والبنوك المخولة من قبلها.
– تأسيس صندوق لتشجيع رجال الأعمال الروس في العالم الإسلامي يمول المشاركة في المعارض والحملات الإعلانية والصفقات التسويقية وما إلى ذلك.
– تشكيل عدة كونسرنيومات روسية لخمسة أو ستة من الاتجاهات ذات الأولوية (استخراج النفط والغاز ومد الأنابيب وبناء مشاريع الطاقة وهلمجرا ) بحيث يجري دفع مصالحها قبل غيرها في العالم الإسلامي.
– توقيع اتفاقيات التفضيل مع الأقطار الإسلامية المعنية, ثم في المستقبل الانضمام إلى اتفاقيات من هذا النوع في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي.

ه) مصالح رجال الأعمال من الأقطار الإسلامية في روسيا.
تتطلب زيادة اهتمام رجال الأعمال من الأقطار الإسلامية في روسيا إزالة عدة عوائق غير موضوعية تقيد نطاق الاستثمارات الفعلية واتجاهات وممارسات التعامل الاقتصادي مع رجال الأعمال الروس. ومن تلك العوائق :

• نواقص التشريعات الروسية التي تضبط الاستثمارات الأجنبية.
• عدم البت في عدد من المسائل الحقوقية المرتبطة بشراء الأجانب قطع الأراضي في روسيا لبناء المنشآت.
• شحه المعلومات عن الشركاء الاقتصاديين المحتملين.
• غياب القواعد والأصول المتعلقة بالمسؤولية الكاملة للمؤسسات الاقتصادية الروسية تجاه شركائها الأجانب.
• قلة فاعلية الحماية القضائية في الدعاوى المدنية ودعاوى التحكيم (الدعاوى الصلحية) التي ينظر فيها بموجب القوانين الروسية وغياب المسؤولية المدنية لدى المحامين والكتاب العدول.
• عدم توافر الأدوات المالية الفاعلة للتعاون والخدمات المصرفية المرافقة وآليات تسليف الصفقات التجارية والإنتاجية وإجراءات تقاسم المجازفات والتأمين عليها وهلمجرا.
• غياب البنوك الإسلامية الأساسية عن الساحة الروسية ( على الرغم من وجود فروع لجميع البنوك الغربية الكبرى في روسيا).

وأول خطوة في هذا المجال يمكن أن تتم بافتتاح فرع للبنك الإسلامي للتنمية الذي يعمل عادة بالتعاون والشراكة مع عشرات المؤسسات المالية والبنوك. فذلك من شأنه أن يوفر إمكانية البدء بفتح قناة ائتمانية لرجال الأعمال من الأقطار الإسلامية الراغبين في العمل في روسيا.

6- روسيا والعالم الإسلامي : مكافحة الإرهاب

مفهوم الإرهاب والترهيب معروف من قديم الزمان. ومن الناحية التاريخية نجد ظاهرة » الإرهاب» مزدوجة التقويم ومتضاربة بالنسبة لتطور الأحداث السياسية.

ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين استخدم خصوم النظام القيصري في روسيا أساليب الإرهاب كثيرا مما أثار رد الفعل المناسب من جانب سلطات الإمبراطورية الروسية. إلا أن تلك الأساليب كما هو معروف لقيت بعد ثورة 1917 تقويما مغايرا تماما. فقد اعتبرت حقا مشروعا للشعب الأعزل في الدفاع عن النفس.

وسجلت الحرب لأهلية الطاحنة في روسيا 1918/1921 أمثلة على استخدام الإرهاب الواسع, «الأبيض» و»الأحمر» على حد سواء.
وكانت الصورة البطولية للأنصار (الفدائيين) إبان الحرب العالمية الثانية في الدعاية السوفيتية تتناقض تماما مع موقف النظام النازي الذي اعتبرهم «عصابات إرهابية». علما بأن الدعاية الهتلرية كانت تبرر الإرهاب الألماني ضد سكان المناطق المحتلة في الاتحاد السوفيتي مستشهدة بمعاهدة لاهاي 1907.

في الوقت ذاته كانت قيادة الرايخ الثالث الألمانية تستخدم الإرهاب عمدا ضد الشعوب السلافية والغجر واليهود وغيرهم.

وبعد الحرب العالمية الثانية استخدمت أساليب الإرهاب في إنشاء دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية. يشير الخبير الأمريكي آدم بارفري الى أن «الصهيونية استخدمت الإرهاب لشق طريقها في الحياة… فمناحيم بيغن وإسحق شامير اللذين تسلما فيما بعد منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي حققا الشهرة لأنهما لم يعتبرا أن الإرهاب (تفجيرات الفنادق واغتيال الانجليز) ضد رمز الحضارة الغربية والحقوق البرلمانية ـ بريطانيا العظمى أمرا معيبا. وعندما سلم البريطانيون الأمور تحت ضغط الإرهابيين تصوروا أن الأفضل لو سمحت الأمم المتحدة للصهاينة بأن يؤسسوا دولة لهم. وفي 29 نوفمبر 1948 أدى الاقتراح البريطاني الى تقسيم فلسطين وشطرها شطرين عبري وفلسطيني. وتم ذلك التقسيم لصالح الكيان الصهيوني. فقد خصص للصهاينة 56% من أراضي فلسطين على الرغم من أنهم كانوا يشكلون ثلث سكانها فقط. وطرح مخطط التقسيم على الصهاينة السؤال التالي : ماذا نفعل بالعرب الذين يقيمون في أرض يعتبرونها أرضهم؟ وكان الجواب : الإرهاب».

منظّر الصهيونية الشهير جابوتينسكي اعترف بضرورة الإرهاب وكتب يقول: نعم, في ذلك قساوة, لكنه يلزمنا إذا كنا نريد أن نحقق أحلامنا هنا.

وفي 9 أبريل 1948 أقدمت جماعة «أرغون» التي تزعمها بيغين على مجزرة استهدفت عددا كبيرا من سكان دير ياسين المسالمين, وأبادت في هذه القرية الفلسطينية مئات من الأطفال والنساء والشيوخ العزل. وفي 1982 قامت عصابات أريئيل شارون (وزير الدفاع الإسرائيلي يومها) بمجزرة رهيبة في مخيمي اللاجئين الفلسطينيين صبرا وشاتيلا على غرار مذبحة بيسلان. وأجهزت جحافل الإبادة الإسرائيلية على مئات الأطفال والنساء والشيوخ من اللاجئين العزل. وفيما بعد حاولت الدعاية الصهيونية إلقاء الذنب على المسيحيين.

كما أن الإرهاب ضد السكان المسالمين استخدم كثيرا إبان الحروب. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية ونتيجة للقصف الجوي الانكلوأمريكي على درزدن ليل نهار أبيد عشرات الآلاف من الألمان المسالمين. وأثناء قصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية قتل مئات الآلاف من الأهالي العزل. وفي هذه الخانة تصنف إبادة عشرات الآلاف من النساء والأطفال الفيتناميين المسالمين بالنابالم الأمريكي.

إن الإبادة الجماعية لليابانيين والألمان والعرب والفيتناميين أعمال إرهابية للترويع والترهيب المباشر. وهذا يتجاوب مع الكثير من التوصيفات والتعاريف الرسمية. ففي رأي وزارة الدفاع الأمريكية مثلا «الإرهاب هو استخدام العنف عمدا أو التهديد بالعنف لإثارة الرعب ولإكراه الحكومات أو المجتمعات أو تخويفها من أجل بلوغ أهداف سياسية أو دينية أو ايديوليجية».

وليس من قبيل الصدفة أن ينتشر الإرهاب الدولي على هذا النطاق الواسع في غضون بضع سنوات وكأنما هو شيء عفوي مفاجئ. فإن بدء قيام «النظام العالمي الجديد, وتصاعد الازمات في المنظومة الدولية العالمية واشتداد الغموض الاستراتيجي لدرجة كبيرة وتحريف أصول القانون الدولي على نطاق واسع – كل ذلك ساعد على ظهور مختلف القوى والتيارات الراديكالية المتطرفة في العديد من أرجاء المعمورة.

إلا أن تحول الجماعات المتطرفة إلى جماعات إرهابية حقاً يتطلب بالدرجة الأولى وكما تؤكد التجربة التاريخية ظهور ما يسمى «بالقوة الثالثة». فهي وحدها القادرة على تحويل الراديكالي إلى إرهابي. علماً بأن الصلات بين الإرهابيين و «القوة الثالثة» يمكن أن تكون معقدة للغاية وغير مباشرة ( وفي هذه الحالة تستخدم تلك القوة الإرهابيين والمقاتلين وغيرهم «في السر»), ويمكن أن تكون مكشوفة نسبياً. وغالباً ما يصعب التفاهم مع الجماعات الإرهابية من حيث المبدأ بسبب وجود «القوة الثالثة» من ورائهم.

وتلجأ القوة الثالثة إلى الإرهاب أساسا في حالتين:
أولا: عندما تشتد التناقضات داخل الطبقة الحاكمة في الدولة المعنية إلى «درجة الغليان» فيستخدم الإرهاب في أوج مراحل الصراع على السلطة.
ومعروف مثلا أن وزارة الداخلية في الإمبراطورية الروسية في بداية القرن العشرين كانت لها شبكة من العملاء والمخبرين في جميع المنظمات الإرهابية والراديكالية, بما في ذلك على مستوى قيادة تلك المنظمات. إلا أن العمليات الإرهابية الضخمة لم تتوقف ولم تمنع, لأن وزارة الداخلية المرتبطة بفئات معينة داخل البلاط القيصري استخدمت الإرهابيين لحل مهمات في السياسة الداخلية للبلاد.
وفور اندلاع الحرب العالمية الأولى قضي بسرعة وبفاعلية على جميع تلك المنظمات الإرهابية والراديكالية.

ثانيا: تلجأ»القوة الثالثة» إلى استخدام التنظيمات والأساليب الإرهابية في المراحل الحاسمة من تنفيذ نهجها الاستراتيجي حيث تضحي من أجل بلوغ أهدافها بكل القيم والمبادئ الأخلاقية. وتعتبر فاجعة بيسلان شاهدا على ذلك.

وبدون المساعدات المتشعبة الطويلة الأمد من الاستخبارات الأمريكية ما كان بوسع»القاعدة» أن تبني شبكتها الدولية. وإلى ذلك فإن بعض الخبراء المشهورين في العالم يعتقدون أن استخدام الإرهاب «في السر» يغدو بالتدريج اتجاهاً هاماً في نشاط الكثير من الدوائر الأمنية، التي تبتكر وتستخدم أنواعاً جديدة من الأسلحة «المؤسساتية» أو التنظيمية.

إن ظاهرة الإرهاب في المجتمع المعاصر بالغ التعقيد تخلق حالة من التحول الاجتماعي والسياسي الباطني يتعذر التكهن بعواقبها البنيوية. ومن منظار وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة غالبا ما يكتسب النشاط الإرهابي مفعولا خصوصيا «متجددا». وفي المجتمع الذي يتعرض لأزمات محتملة كبيرة ثمة دوماً عدد كاف من المنظمات والشرائح والعصابات التي ترفض أصول الأخلاق المرعية, ومن الأشخاص والجماعات الشاذة نفسانيا والمستعدة لتكرار العمليات الإرهابية أو المشاركة في النشاط الإرهابي.

ويعتقد الخبراء أن مستوى العمل الإرهابي في العالم أجمع ارتفع كثيرا بعد شروع الولايات المتحدة الامريكية «بعملية مكافحة الارهاب».

إن الإرهابيين مجرمون غالبا ما يعانون من انحرافات مرضية واضحة الأعراض يتجاوزون ويتطاولون على الأصول القانونية الحقوقية وعلى المبادئ الأخلاق الإنسانية. ولكن لا يجوز الربط بين الإرهاب بجميع أشكاله وبين دين من الاديان أو أمة من الأمم. فالإرهاب بوصفه انحرافا سياسيا واجتماعيا ونفسانيا يتغذى على التوجهات المصلحية النفعية لحل مهمات سياسية, وليس على القيم والعقائد الدينية.
ويجب أن يتحمل مسؤولية النشاط الإرهابي الأشخاص والجماعات والتنظيمات التي تتستر بالذرائع الدينية والقومية وغيرها لتبلغ أهدافها, وكذلك القوى التي تقف من وراء الإرهابيين.

ومع تقوية نظام»القطب الواحد» تدريجيا أخذ مفهوم الإرهاب الدولي يلصق عمدا بالإسلام ويوضع في خانة واحدة مع ما يسمى «الإرهابيون الإسلاميون». ويرى خبراء معروفون أن من المهام الرئيسية لهذه الحملة دفع روسيا والعالم الإسلامي إلى التصادم والمواجهة.

وبالطبع يوجد بين الإرهابيين من ينتمي شكليا إلى الإسلام. وثمة في الوقت ذاته جماعات إرهابية تضم أناسا ينتمون شكليا إلى النصرانية واليهودية. إلا أن أحداً لا يتحدث عن إرهاب مسيحي مثلا. والإرهابيون أياً كانوا إنما هم في الواقع مرتدون عن سنن دينهم. وليس من قبيل الصدفة أن الأصول القانونية لمكافحة الإرهاب في العديد من أقطار العالم الإسلامي أكثر صرامة مما هي في التشريعات الروسية.

ليس للإرهاب دين كما يقول الكثيرون بحق. ولذلك فإن استخدام مفردة «الإرهاب الإسلامي» في وسائل الإعلام يجب أن يعتبر شكلا من أشكال تأجيج العداءات والحزازت الدينية لا يمكن قبوله في مجتمع متعدد الأديان والقوميات.

وثمة مفارقة أخرى ونتيجة غير متوقعة في الصراع الشامل «للعالم المتمدن» ضد»الإرهاب الدولي». فالإرهابيون ربما حققوا هدفهم الرئيسي بقصد أو بدون قصد, فساقوا الدليل على خور الجميع وضعف كل شئ في ما يسمى «بالمجتمع الإعلامي والمعلوماتي» المعاصر.

الإرهاب الدولي ظاهرة بنيوية منظمة, ولذا يجب أن تقوم مكافحته على إستراتيجية بنيوية منظمة.
وفي إطار هذه الإستراتيجية يغدو من أهم الأولويات بالنسبة لروسيا التعاون الطويل الأجل مع الأقطار الإسلامية.
صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف «أن العرب مستعدون لشراكة حقيقية في مكافحة الإرهاب. فهم يعانون منه ربما أكثر من غيرهم. لان هناك محاولات للصق الإرهاب بالإسلام وبالأمة العربية, ولذا تؤكد روسيا دوما بأن الإرهابيين ليس لهم قومية. ففي بيسلان كان هناك وحوش تطاولوا على قوانين كل الأديان».
ويرى عدد من الخبراء أن القضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي نهائيا لن يتم ما لم يصبح العالم من جديد أكثر توازنا وأكثر عدلا ويصبح متعدد المراكز والأقطاب.
ان مأساة بيسلان والعمليات الإرهابية التي جرت في روسيا في العام 2004 م تسوق الدليل على أمرين في أقل تقدير:

أولاً ـ تغدو الدولة الروسية إلى جانب العالم الاسلامي الهدف الرئيسي للارهاب الدولي «وللقوة الثالثة» التي لها مصلحة في بقاء » موقد الحرب في القوقاز مستعرا دوما». فهذا يمكّنها من التأثير على العمليات الجارية داخل روسيا بما فيها استهداف الانتخابات البرلمانية عام 2007م والانتخابات الرئاسية عام 2008م.
ثانياً ـ تعتبر روسيا من حيث التهديدات الإرهابية إحدى أضعف دول العالم. والسبب الأول لهذا الوضع هو الظروف التي نشأت في أعقاب سقوط الدولة العظمى المترامية الأطراف ـ الإتحاد السوفييتي.
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته في المؤتمر العاشر لرؤساء دول وحكومات منظمة المؤتمر الإسلامي «إن روسيا, شأن معظم الدول الإسلامية الممثلة في هذا المؤتمر، تنادي بتعزيز أصول القانون الدولي وتأمين الدور التنسيقي المركزي للأمم المتحدة في حل المشاكل الدولية. ونحن على يقين من أننا سنتمكن بتضافر الجهود ان نتصدى بشكل فاعل لتطور الأحداث حسب السيناريوهات غير الملائمة والتي تؤدي الى ظهور المزيد من خطوط الفصل الخطرة».

قسم الاعلام المجلس الاسلامي الروسي

Рейтинг@Mail.ru