بقلم: سمير أرشاد ختلاني
عندما كان أنور إبراهيم يبني اسمه كقائد طلابي واعد ومؤسس حركة الشباب الإسلامي الماليزي (ABIM) في السبعينيات، كان من بين الكتب التي غاص فيها أعمال الاقتصادي الهندي محمد نجاة الله صديقي. جذب تفكير صديقي العميق أنور وزملاءه في ABIM، فقد كان ناقدًا حادًا للنظام الرأسمالي ومصارفه، وكشف عيوبه بعمق، مما أثر في تشكيل رؤى أنور وكوادر الحركة.
يروي أنور إبراهيم لقاءه «البالغ السرور» مع صديقي، بصفته ممثلاً عن ABIM في جامعة عليكره الإسلامية، في مقدمته لكتاب «محمد نجاة الله صديقي: مجدد ورائد في الاقتصاد والتمويل الإسلامي» (2026) لمحمد أحمد الله صديقي وإمتياز يوسف. اقترح أنور على صديقي أن يقرأ أعمال الاشتراكيين ليكتشف عيوب الرأسمالية، مؤكدًا أن تحليل حجج الجانبين قد يؤدي إلى بديل أكثر جدوى. لم يعلق صديقي كثيرًا حينها.
بعد ثلاثة عقود، التقيا صدفة في جدة بالسعودية، فصاح صديقي قائلًا: «نعم، كنت على حق يا شاب». خلال الفترة الفاصلة، ألف صديقي كتبًا مثل «التفكير الاقتصادي الإسلامي» (1981)، و«النظام المصرفي بلا فوائد» (1983)، و«الشركة وتقاسم الأرباح في الشريعة الإسلامية» (1985)، و«التأمين في الاقتصاد الإسلامي» (1985)، و«دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي» (1996)، و«الحوار في الاقتصاد الإسلامي» (2002). بهذه الأعمال أصبح أحد الرواد الأوائل في تطوير الاقتصاد والمصارف والتمويل الإسلامي.
محمد نجاة الله صديقي وجذور فكر «مدني» في ماليزيا
في العقد الأول من الألفية الجديدة، كان صديقي من بين العلماء المسلمين البارزين الذين استدعتهم الحكومة الماليزية لإثراء النقاش الفكري في البلاد، تماشيًا مع رؤية أنور الذي طرحها عندما تولى وزارة التعليم في التسعينيات. وبعد سنوات، صدى مواضيع أعمال صديقي – مثل الاقتصاد الأخلاقي، والعدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان، والرفاهية الشاملة – في إطار سياسة «مدني» التي أطلقها أنور إبراهيم.
كشف أنور عن إطار «مدني» في يناير 2023، بعد شهرين من توليه رئاسة الوزراء. يستلهم الإطار مفهوم «الفلاح» الإسلامي، الذي يعني النجاح والسعادة والرفاهية. يؤكد أنور على تحقيق الفلاح من خلال نمو اقتصادي مستدام، وتمكين الجميع، وشمولية تضمن الرفاهية الروحية والشاملة للأفراد والمجتمعات والأمة.
عُيّن صديقي أستاذًا متميزًا في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام 2006، ودعا إلى إصلاح هيكلي وقيمي لنظام اقتصادي يتسم بتركز الثروة وتفاقم التفاوت. عززت أزمة 2008 المالية، التي بدأت في النظام المالي الأمريكي والرهون العقارية والقروض عالية المخاطر، انتقاداته لهذا النظام. بدلاً من إنقاذ عشرات الآلاف الذين فقدوا وظائفهم، ركزت الولايات المتحدة على إنقاذ الشركات بـ700 مليار دولار.
بديل عن الرأسمالية والشيوعية
شكلت أزمة 2008 اختبارًا واقعيًا لمن أعلنوا أن الرأسمالية هي الطريق الوحيد للتقدم بعد انهيار الأنظمة الشيوعية. أبرزت التفاوت الهائل واللامساواة التي يفرزها النظام. لم يكن الشيوعية خيارًا قابلاً للحياة بالنسبة لأنور، لأنها تميل إلى الديكتاتورية عبر تركيز السلطة في البيروقراطية والسيطرة على الأسواق. دفع ذلك دعاة الاقتصاد الإسلامي إلى البحث عن بديل يحقق مجتمعًا عادلًا، وتلبية الحاجات العامة، وكرامة الإنسان مع الحريات الأساسية، وتوزيعًا عادلًا للدخل والثروة مع كبح جماح التفاوت.
يؤكد القرآن على نصرة المستضعفين والضعفاء والمقهورين. يجب أن تكون العدالة والإنصاف ومكافحة الفساد والظلم سمات الاقتصاد الإنساني المبني على المثل الإسلامية، التي تحظر الاحتكار وقمع العمال والفساد والابتزاز وسوء استخدام السلطة. وقد رُتبت هذه المثل وطُورت ضمن إطار «مقاصد الشريعة» لتحقيق العدالة في كل طبقات المجتمع.
أدرك صديقي صعوبة التوفيق بين المثل والواقع، وبين المثالية والسياسات اليومية، وبين التقليد والحاضر. انتقد التركيز على السوق على حساب الأسرة، وركز على الأخلاق والرفاهية ومقاصد الشريعة. أسف لفشل المؤسسات المالية الإسلامية في معالجة التفاوت والفقر بشكل كافٍ، وانتقد «نزوات السوق الحرة الجشعة» التي تحكم التمويل الإسلامي كما تحكم نظيره التقليدي.
دعا صديقي إلى دمج التمويل الأصغر والتعاونيات منذ البداية في التمويل الإسلامي، معتبرًا إياها أساسية للمشاريع الصغيرة والعمل الحر، وهما عماد الاقتصادات الإسلامية. أكد أن البنوك التجارية لا ينبغي أن تكون الوسيلة الوحيدة للوساطة المالية، ودعا إلى التحرر من الرؤية الرأسمالية. حث على العودة إلى الفطرة الإنسانية القائمة على إكمال مكارم الأخلاق في بناء اقتصاد يستند إلى الشريعة.
أهمية الحوكمة الرشيدة للاقتصاد الإسلامي
يؤكد أنور إبراهيم على ضرورة الوضوح في السياسات والحوكمة، ومنع التسرب والفساد. يرى أن الاقتصاد والتمويل الإسلامي لا يمكن أن ينجحا بدون حوكمة رشيدة، وأن النموذج الاقتصادي لا يزدهر بدون إطار قانوني مناسب. يشدد على أن الجنوب العالمي، بما في ذلك كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة، ليس فقيرًا بطبيعته، بل إن الفقر غالبًا نتيجة الفساد وإهدار الثروة. كما أن الأدوات الإسلامية تحت حوكمة سيئة تعيق تحقيق مقاصد الشريعة.
يدعو أنور إلى معالجة الأسس وإرساء الحوكمة الرشيدة حتى تعمل السياسات والأدوات والمؤسسات بكفاءة. يعتقد أن المصارف الإسلامية حققت نجاحًا، لكنها لا تمثل سوى إصلاح جزئي محدود، خاصة ضمن إطار مقاصد الشريعة الأوسع.
ما وراء المصارف الخالية من الفوائد: دعوة أنور للإصلاح
يحذر أنور من أن المكافآت المجزية لمستشاري الشريعة قد تؤدي إلى تضارب مصالح. يرى أن اللاعبين غالبًا ما يلجؤون إلى الحيل الشرعية للالتفاف على الشريعة، مما يميل لمصلحة رأس المال. يشير إلى أن المنتجات تُصمم أو تُصدق لتلبية طلب العملاء، مثل بيع العينة، والمرابحة بالسلع، والتورق، حيث تُصاغ عقود معقدة لتناسب شهية المستثمرين للمخاطر، وتنتج نتائج مشابهة للعقود الربوية دون انتهاك تحريم الربا ظاهريًا.
بالنسبة لأنور، فإن تجربة أربعة عقود تدعو إلى تشريح شامل لكشف التعقيدات والتناقضات، جزئيًا بسبب الخضوع غير الواعي للرؤية الرأسمالية والسياسات التي تركز على الربح، بدلاً من قيم الصدق والعدل والرفاهية الاجتماعية. يؤكد أن النظام الحالي للمصارف الإسلامية أولى اهتمامًا ضئيلًا برفاهية الفقراء والمستضعفين.
يظل أنور متفائلًا، قائلًا إن قوة الأفكار لدى علماء مثل محمد نجاة الله صديقي وعمر تشبرا وزبير حسن ومنذر قحف وخورشيد أحمد، إلى جانب الإرادة السياسية، يمكن أن تساعد في بناء بنية مالية ومنتجات جديدة. سعى هؤلاء العلماء إلى تجاوز المعاملات القائمة على الفائدة، التي يرى النقاد أنها تسمح بخلق المال من المال، مما يثري الأغنياء ويفقر الفقراء.
IslamNews.Ru وكالة الأنباء
تسجيل الدخول ب: