في روسيا، لا يُنظر إلى رأس السنة بوصفها مناسبة عابرة أو مجرّد انتقال من عام إلى آخر، بل تُعدّ اللحظة الأكثر كثافة في الوعي الجمعي. إنها ليلة تتقاطع فيها العائلة، والذاكرة، والعادة، والحنين، ويكاد الزمن نفسه أن يتحوّل فيها إلى طقس متكرّر، يُعاد كل عام بالصورة ذاتها تقريبًا، وكأن في ذلك طمأنينة خفية في عالم لا يكفّ عن التغيّر.
وفي بلد يمتدّ على أحد عشر نطاقًا زمنيًا، يبدأ الاحتفال برأس السنة في أقصى الشرق الروسي بينما لا يزال النهار قائمًا في موسكو. بالكاد تقترب الساعة من منتصف الليل في العاصمة، في حين تكون مناطق أخرى قد استقبلت العام الجديد منذ ساعات. وهكذا تحتفل روسيا برأس السنة اثنتي عشرة مرّة، بحسب الفروق الزمنية بين أقاليمها، وهو ما يسمّيه بعض الروس «زحف رأس السنة». ورغم هذا التفاوت الكبير في التوقيت، تبقى العادات والتقاليد واحدة في جوهرها، متطابقة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
من أكثر هذه التقاليد رسوخًا، كما لاحظت، عرض فيلم كوميدي اجتماعي بات جزءًا لا يتجزّأ من طقوس ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر: سخرية القدر المعروف أيضًا بعنوانه الفرعي «نعيماً». لا يكاد بيت روسي يخلو من مشاهدة هذا الفيلم في تلك الليلة، وحتى كبار السن الذين يحفظون مشاهده وحواراته عن ظهر قلب لا يملّون من متابعته عامًا بعد عام، وكأن التكرار ذاته هو جزء من المعنى والمتعة.
تدور قصة الفيلم حول طبيب ناجح يستعد للزواج بعد عزوف طويل، تجمعه مع أصدقائه عادة سنوية راسخة: الذهاب إلى الحمّام العام، «البانيا» الروسية، في آخر يوم من السنة، للتخلّص من أعباء العام المنصرم قبل استقبال الجديد. والحمّام الروسي هنا، وهو يشبه إلى حدّ ما الساونا الفنلندية، ليس مكانًا للاستحمام فحسب، بل طقس متكامل له رمزيته الخاصة؛ بخار كثيف، ومكانس مصنوعة من أغصان الأشجار المجففة تُستخدم لتدليك الجسد وضربه برفق وسط الحرارة والبخار، في ممارسة تجمع بين التطهّر الجسدي والتخفّف النفسي. يرافق ذلك حوارات ودعابات، ومشروبات ساخنة وباردة، تختلط أحيانًا بالكحول، في أجواء جماعية تمتزج فيها الصداقة والمرح بالعادات القديمة.
ومن هذه المقدّمة الواقعية تنبثق مفارقة الفيلم الأساسية. يثقل الشرب كاهل الأصدقاء، لا سيما بعد أن يلجأ أحدهم إلى حيلة قديمة بخلط الفودكا بالبيرة، فيختلط عليهم الأمر في مواقف مضحكة، ويُرسَل البطل، وهو في حالة نصف وعي، بدلًا من صديق آخر كان يستعد للسفر جوًا إلى لينينغراد، سانت بطرسبورغ حاليًا. يصل الرجل إلى مدينة لا يعرفها، يستقل سيارة أجرة، ويطلب عنوان بيته، ليتبيّن أن هناك عنوانًا مطابقًا تمامًا لعنوانه في موسكو، نتيجة التشابه النمطي في تخطيط المدن السوفييتية. يصعد إلى الشقة، يفتح الباب بمفتاحه، ويتمدد على السرير، ليكتشف أن كل شيء تقريبًا مشابه لما اعتاده في شقته في موسكو: المفتاح، السرير، الأثاث، تفاصيل الحياة اليومية، وفق نمط سكني سوفييتي متشابه إلى حد كبير. كل ذلك قبل أن تعود صاحبة الشقة وتفاجأ بوجوده في منزلها. ومن هنا تبدأ أحداث ليلة رأس سنة كاملة، في مدينة أخرى، بين أناس غرباء، لتنتهي القصة بمفاجأة تمنح الفيلم اسمه، حيث تتحوّل الصدفة إلى مصير.
ولا تقلّ المائدة أهمية عن الشاشة في طقوس هذه الليلة. فثمة أطباق بعينها تكاد تكون إلزامية، وعلى رأسها سلطات أصبحت جزءًا من الذاكرة الغذائية الروسية، مثل سلطة أوليفييه، بوصفها بقايا الفخامة الفرنسية في المطبخ السوفييتي، وسلطة الميموزا التي تشبه زهرة الميموزا في شكلها، وسلطة «سيلودكا بود شوبوي»، أي الرنجة تحت المعطف، وهي سلطة مميّزة تقوم على طبقات من سمك الرنجة تعلوها طبقات من البطاطا والجزر ومكوّنات أخرى، تُغطّى بالمايونيز، ومن هنا جاء اسمها. بالكاد يمكن تخيّل رأس سنة روسية من دون هذه الأطباق، التي لا تعبّر عن ذوق غذائي فحسب، بل عن استمرارية تقليد لا يتبدّل. ويضاف إلى ذلك حضور الحمضيات، ولا سيما اليوسفي (المندرين)، بوصفه رمزًا ثابتًا من رموز هذه الليلة، إلى جانب أطباق أخرى تتفاوت بحسب قدرة كل أسرة وإمكاناتها.
ويرتبط كل ذلك باعتقاد راسخ لدى كثير من الروس، مفاده أن الطريقة التي يستقبلون بها العام الجديد ستحدّد مساره كله. لذلك يستعدّون لهذه الليلة بعناية خاصة: تنظيف البيوت، إعداد الطعام، التأنّق، وكأنهم يقدّمون صورة رمزية عن أمنياتهم للعام القادم.
ومن طقوس الاستعداد أيضًا تزيين شجرة رأس السنة، «اليولكا»، إضاءتها وتعليق الزينة عليها، فيما ينتظر الأطفال ديد موروز، الجدّ صقيع، وسنيغوروتشكا، الفتاة الثلجية، اللذين يحملان الهدايا ويوزّعانها على الصغار، بوصفهما النسخة الروسية الخاصة من سانتا كلوز الغربي، لكن بجذور محلية أصيلة أقدم وأعمق.
ومع ذلك، بدأت في السنوات الأخيرة ترتفع أصوات متفرّقة هنا وهناك تعارض الاحتفال برأس السنة، باعتباره تقليدًا وثنيًا أو غير مسيحي، كما تعترض بعض الجهات على تزيين البيوت بأشجار اليولكا، لأسباب دينية أحيانًا، وبيئية أحيانًا أخرى. غير أن هذه الأصوات، على حضورها الإعلامي المحدود، لم تنجح في إحداث أثر يُذكر في الوعي الجمعي الروسي، الذي لا ينظر إلى رأس السنة بوصفها طقسًا دينيًا، بل مناسبة اجتماعية وثقافية جامعة، متجذّرة في الحياة اليومية، وأقوى من أن تُزاح بمواقف هامشية أو حملات موسمية.
قبيل منتصف الليل، تتجه الأنظار مجددًا إلى شاشات التلفزيون، حيث ينتظر الناس قرع أجراس الكرملين إيذانًا بدخول العام الجديد. في تلك اللحظات القليلة، يضمر كثيرون أمنياتهم بصمت، مؤمنين بأن ما يُقال في النفس قبل انتهاء دقات الساعة سيتحقّق في السنة المقبلة. يسبق ذلك خطاب الرئيس، ثم تنقضي الدقات الأخيرة، لتبدأ الاحتفالات، وكأن الدولة نفسها تُثبّت حضورها في أدق لحظة شخصية لدى الملايين. ولعلّ هذه العادة تعكس ما ترسّخ في الوعي الروسي، السوفييتي وما قبله، من ضرورة حضور «القيصر» في الأذهان، وهو ما يظهر حتى في تسميته الشعبية المحبّبة «باتوشكا»، أي الأب.
ونظرًا لكثرة المأكولات والمشروبات، يعدّ الأطباء هذا اليوم من أكثر أيام السنة إرهاقًا، ويحذّرون من الإفراط في الطعام والشراب، إذ يجد كثيرون أنفسهم يأكلون ويشربون في ساعات الليل ما لم يعتادوه طوال العام، في ليلة واحدة تُعلّق فيها القواعد الصحية مؤقتًا.
ومن عادات الروس في هذه الليلة أيضًا شرب الشمبانيا الفوّارة. وقد شاهدتُ مؤخرًا فيلمًا وثائقيًا يبيّن كيف انتقلت هذه العادة إلى الناس بعد عرض فيلم فرنسي في ستينيات القرن الماضي، شرب فيه البطل والبطلة الشمبانيا ليلة رأس السنة، فقلّدهما الجمهور، حتى غدت هذه الممارسة عادة متأصّلة لدى الروس.
وكان من عادتنا، خلال فترة الدراسة في أيام الاتحاد السوفييتي، أن نتجمّع معًا في هذه الليلة، حرصًا من الشباب على الابتعاد عن أجواء الفتن ومغرياتها، حين تغيب العقول وتكثر الانزلاقات. كنّا نقضي السهرة في مسابقات ثقافية، ينقسم الحضور فيها إلى مجموعتين أو أكثر، ويتولّى أحد الإخوة دور المقدّم، يطرح الأسئلة المتنوّعة على المتسابقين. كثير من معرفتي بالبلاد، وببعض تفاصيل العيش فيها، استقيته من تلك الجلسات التي كانت تشهد منافسات حامية ونقاشات طريفة، لا تخلو من جدّ وحميمية. وكنا نختم ليلتنا بقيام الليل وتلاوة آيات من الذكر الحكيم، قبل أن نفترق صباحًا، كلٌّ إلى مسكنه.
هذه بعض مشاهداتي: بين فيلم يُعاد بلا ملل، وحمّام يُستعاد كطقس تطهّر، ومائدة تكاد لا تتغيّر، وأجراس تُقرَع منذ عقود، يبدو رأس السنة في روسيا جميلًا وحميميًا، يشدّك بحنين إلى ماضٍ قريب، وكأنه محاولة جماعية للإمساك بالثبات، في عالم تغيّرت فيه الدول والأنظمة، لكن ليلة واحدة على الأقل ظلّت، إلى حدّ بعيد، كما كانت.
IslamNews.Ru وكالة الأنباء
تسجيل الدخول ب: