لم يعد السؤال المطروح بشأن إيران هو ما إذا كانت تتعرّض لضغوط غير مسبوقة، فذلك بات من المسلّمات، ولا ما إذا كانت منظومة ردعها في طور التآكل أو إعادة التموضع، لأن هذا الإطار نفسه لم يعد صالحًا لوصف المرحلة الراهنة.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت إيران، كما غيرها من القوى الإقليمية، قد خرجت من زمن إدارة الصراع ودخلت زمن الانكشاف الشامل، حيث يتلاشى النظام الدولي الذي حكم الإقليم والعالم منذ نهاية الحرب الباردة.
الشرق الأوسط لم يعد ساحة تنافس منضبط بين قوى إقليمية ودولية، بل تحوّل إلى فضاء مفتوح لانفجار التناقضات دفعة واحدة، من دون ضوابط أو آليات احتواء فعّالة.
في هذا السياق، لم تعد إيران تواجه حملة ضغط تهدف إلى تعديل سلوكها أو دفعها نحو تسوية كما في السابق، بل تجد نفسها داخل بيئة إقليمية فقدت منطقها السابق كليًا. الردع لم يعد قائمًا، الوكلاء تآكلوا، والساحات إمّا سُحقت أو فُصلت عن مركز القرار.
في المرحلة السابقة، عملت إيران ضمن منطق واضح نسبيًا: توسيع النفوذ الإقليمي لرفع كلفة الاستهداف، وبناء شبكة ردع غير متماثلة تحول دون اندلاع حرب شاملة. هذا المنطق افترض وجود قواعد اشتباك، وخطوط حمراء متبادلة، وقدرة على ضبط الإيقاع، إلى جانب لاعب دولي حريص على منع الانفجار الكبير. هذه الشروط كلها لم تعد قائمة اليوم. ما نشهده حاليًا هو مرحلة من الفوضى تسبق قيام نظام عالمي جديد، تغيب فيها القدرة الدولية على الضبط، ويتقدّم فيها منطق الهيمنة والقوة على منطق الضغط والاحتواء.
ضمن هذا التحوّل، لم تعد العقوبات هي الأداة المركزية لفهم السلوك الأمريكي تجاه إيران. صحيح أنها أضعفت الاقتصاد وعمّقت الأزمات الاجتماعية، لكنها فقدت وظيفتها السياسية الأصلية. لم يعد الهدف دفع إيران إلى تفاوض أو إعادة تموضع محسوبة، بل أصبحت العقوبات جزءًا من بيئة استنزاف مفتوحة بلا أفق تسوية. فالجمهورية الإسلامية تمكّنت سابقًا من التعايش مع العقوبات، لكنها اليوم تُستدرج إلى مربعات استنزاف متواصل، لم تعد فيها المكاسب واضحة ولا الخسائر قابلة للحساب.
ما كان يُسمّى سابقًا ساحات النفوذ الإيراني خرج عمليًا من دائرة النفوذ بالمعنى السياسي والاستراتيجي. العراق لم يعد يُعدّ عمقًا إيرانيًا منذ استشهاد سليماني على أرضه، وبات فضاءً مفتوحًا لصراع داخلي وخارجي متعدد المستويات، تتراجع فيه قدرة أي طرف على الضبط، بما في ذلك إيران نفسها. النفوذ الذي كان يُمارس عبر الشبكات والفصائل تآكل تحت الضغط الأمريكي والسخط الاجتماعي المتراكم، وضعف القادة المحليين، وتحول وجودهم إلى عبء سياسي أكثر مما يُستثمر كقوة إسناد، وظهر ذلك واضحًا في معركة الطوفان والإسناد، وفي حرب الاثني عشر يومًا على إيران.
في سوريا، انتهى النفوذ الإيراني عمليًا مع سقوط النظام، وقد فوّت الإيرانيون اللحظة حين قُصفت قنصليتهم في دمشق، ولم يستثمروا الحدث لإحداث تغييرات جوهرية في اللعبة الإقليمية. ومع خروجهم من سوريا بهذا الشكل تحت قصف الأعداء، لم تعد إيران لاعبًا قادرًا على تجهيز بنية مواجهة مع العدو الإسرائيلي على الساحة السورية.
في لبنان، مُني حزب الله بضربة قاسية ومؤلمة، وخسر قيادته وأمينه العام، ويُعدّ ذلك هزيمة قاسية في المواجهة مع إسرائيل. تم ذلك في ظل حسابات إيرانية متعددة ومتضاربة بُنيت على معادلات من زمن مضى.
هذا الواقع أخرج حزب الله، أهم حلفاء إيران في المنطقة، من المعادلة مرحليًا، وهو يسعى جاهدًا ليكون جزءًا من كيان دولة منهارة اقتصاديًا واجتماعيًا، مع غياب القدرة على التحكم بالمشهد الداخلي، ما ينذر بتحوّله إلى ساحة استنزاف طويلة قبل أن يعود حزب الله إلى سابق عهده.
أما اليمن، فربما شكّل البقعة الوحيدة التي بدت مضيئة نسبيًا في المشهد الإقليمي من منظور إيراني، غير أن التداعيات المحيطة به تنذر بتحوّله إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، في مواجهات قادمة بلا حسم، تُرهق جميع الأطراف، ولا تنتج مكاسب سياسية متناسبة مع كلفتها، ولا تتيح لإيران تحويل دعمها إلى نفوذ قابل للترجمة الإقليمية.
بهذا المعنى، لم يتغيّر “طابع” النفوذ الإيراني بقدر ما انهار كمنظومة. وما بقي ليس شبكة نفوذ، بل آثار نفوذ سابق داخل ساحات لم تعد خاضعة لأي مركز تحكم. وإيران لم تعد تدير هذه الساحات، بل تتفاعل مع أزماتها، وغالبًا من موقع دفاعي لا هجومي.
داخليًا، لا يمكن اختزال المشهد الإيراني في احتجاجات دورية أو أزمة شرعية تقليدية. ما يجري هو إرهاق تاريخي لنموذج حكم نشأ في بيئة دولية وإقليمية تختلف جذريًا عن البيئة الراهنة. الجيل الجديد من الشباب الإيراني لا يعيش سردية الثورة ولا صراعاتها، بل يعيش انسداد الأفق السياسي والاقتصادي. الدولة باتت، في هذا المعنى، شبيهة بالاتحاد السوفيتي في أواخر عهده، إذ لم تعد قادرة على تقديم مشروع جامع لمختلف فئات المجتمع، كما يتجلى في اندلاع احتجاجات تجار البازار، الذين كانوا يومًا من أعمدة الثورة في مهدها.
في هذا السياق، تفقد الحرب الإعلامية هدفها التقليدي، المتمثل في تشويه الصورة أو رفع المعنويات، بل أصبحت جزءًا من معركة كسر الإدراك العام. لا أحد يقدّم رواية متماسكة، ولا أحد قادر على فرض تفسير مستقر لما يجري. هذا الفراغ السردي من أخطر مظاهر المرحلة، لأنه يترك المجتمع، كما جرى مع الاتحاد السوفيتي من قبل، بلا بوصلة سياسية أو أخلاقية.
أما الخصم الغربي، وتحديدًا الولايات المتحدة وإسرائيل، فلم يعودا يعملان بمنطق إدارة الصراع أو السعي إلى تسوية. واشنطن تدير تراجعها من الشرق الأوسط، وانكفاءها في القسم الغربي من الكرة الأرضية، وتتخلى عن موقع الضابط الإقليمي، وتقبل بتفكيك المنطقة ما دام ذلك لا يهدد مصالحها المباشرة.
إسرائيل، في المقابل، انتقلت من سياسة الردع الوقائي إلى سياسة توسيع الفوضى المحسوبة، حيث لم يعد الهدف منع الحرب، بل منع تشكّل أي بيئة إقليمية مستقرة حولها قد تنتج يومًا تهديدًا منظمًا.
في هذا الإطار، تبدو إيران أقل استثناءً مما كان يُتصوَّر، علمًا أنها ليست الدولة الوحيدة التي تواجه هذا الانكشاف، لكنها من أكثرها تأثرًا لأن مشروعها الإقليمي بُني على فرضية لم تعد قائمة: فرضية المعادلات الإقليمية القابلة للضبط.
اليوم، الجميع يتحرك داخل فضاء بلا معادلات، بلا مركز، بلا خطوط حمراء ثابتة، وبلا أفق تسوية واضح. من هنا، تفقد السيناريوهات التقليدية قيمتها التفسيرية، لأنها تفترض وجود نظام إقليمي راسخ يعمل.الواقع أن ما نعيشه هو مرحلة انتقالية فوضوية قد تطول، تتحول فيها الدول من لاعبين مخططين إلى كيانات مضطربة تتفاعل مع أزمات متلاحقة.
إيران في هذا السياق تواجه سلسلة من الأزمات تستنزف قدراتها وتشغل قيادتها، إلا أنها، مع ذلك، ليست على وشك الانهيار، كما أنها ليست في موقع المبادرة. إنها في موقع التكيّف القسري داخل عالم إقليمي يتفكك.
السؤال اليوم ليس ماذا ستفعل إيران في الإقليم، بل: أي نوع من الدول يمكن أن تبقى عليه إيران في إقليم يتفكك وعالم يتغير؟ هذا هو سؤال اللحظة الراهنة، وكل تحليل لا ينطلق منه سيبقى أسير زمن انتهى.
وإذا كان للأصدقاء في إيران أن يفكروا في البقاء وحجز مقعد في العالم الجديد، فإن المبادرة لم تعد خيارًا مؤجّلًا، بل شرطًا بنيويًا للنجاة. العمل وفق القواعد والمعادلات القديمة، والضوابط الإقليمية التي حكمت مرحلة سابقة، لم يعد ممكنًا، كما أن انتظار الحدث للرد عليه فقد جدواه. في عالم يتغيّر بسرعة كبيرة، لم يعد صبر صانع السجاد استراتيجية قابلة للحياة.
ا. ع.
IslamNews.Ru وكالة الأنباء
تسجيل الدخول ب: