الفاشية في ثوب جديد: العالم بعد موت القانون الدولي

Трамп

Трамп

العلامات:

0
11-01-2026

(1)

لم تعد منظومة القانون الدولي التي أُسست عقب الحرب العالمية الثانية قائمة بالمعنى الفعلي للكلمة، ولا حتى بصيغتها المعدّلة التي تبلورت بعد نهاية الحرب الباردة. فما يشهده العالم اليوم لا يمكن تفسيره بوصفه أزمة تطبيق أو ازدواجية معايير فحسب، بل هو انهيار بنيوي شامل لمنظومة كان يُفترض بها تنظيم العلاقات بين الدول، وردع جرائم الحرب، وحماية الشعوب من الإبادة والعقوبات الجماعية. وبالقياس التاريخي والسياسي، يمكن القول إن القانون الدولي، بوصفه مرجعية ضابطة للسلوك الدولي، قد مات فعليًا.

(2)

هذا الموت لم يعد خافيًا أو قابلًا للإنكار. فقد كُشف على نحو صارخ من خلال الجرائم المتواصلة في غزة: إبادة جماعية علنية، تجويع ممنهج، وعقوبات جماعية تُمارَس أمام أعين العالم. ثم تكرّس هذا الانكشاف عبر انتهاك سيادة فنزويلا، وبلغ ذروته الرمزية حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على محكمتي الجنايات الدولية والعدل الدولية، في سابقة غير مسبوقة يمكن قراءتها بوصفها إخضاعًا فعليًا للعدالة الدولية لإرادة القوة.

(3)

غير أن هذا الانهيار لم يكن حدثًا مفاجئًا أو طارئًا. لقد تراكم عبر عقود من التفريغ المنهجي للقانون الدولي من مضمونه، بدءًا من غزو يوغوسلافيا، ثم العراق وأفغانستان، مرورًا بتجاهل مئات القرارات الأممية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية، وتغليب المصالح المادية للدول الكبرى على أي التزام قانوني أو أخلاقي، وصولًا إلى الاستباحة الإسرائيلية المتكررة لفلسطين ولدول المنطقة العربية والإسلامية دون مساءلة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانتقال النظام العالمي إلى مرحلة القطب الواحد، تحوّل ما سُمّي بـ«النظام القائم على القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية » إلى ما يسمى «النظام القائم على القواعد»؛ أي القواعد التي تضعها القوة المهيمنة وتفرضها على الآخرين.

(4)

هذا الموت للقانون الدولي لم يأتِ منفصلًا عن تحوّل أعمق، بل رافقه صعود خطير للفاشية المعاصرة، في مشهد يعيد إلى الأذهان المناخ الذي ساد عقب الحرب العالمية الأولى. غير أن الفاشية اليوم لا تعود في صورة أنظمة شمولية كلاسيكية، بل كظاهرة أكثر تحوّلًا وانكشافًا، وأكثر عداءً لفكرة الإنسان بوصفه قيمة كونية، وأكثر استعدادًا لتطبيع العنف والإبادة باسم الأمن والمصلحة القومية.

(5)

هنا تكتسب أطروحة «الفاشية الأبدية» التي صاغها أمبرتو إيكو عام 1995 أهمية استثنائية لفهم ما يجري. فإيكو، الذي عاش طفولته تحت الفاشية الإيطالية، شدّد على أن الفاشية ليست نظامًا واحدًا جامدًا، بل منظومة من السمات المتكرّرة، يكفي أن يتوافر عدد كافٍ منها حتى يصبح الميل الفاشي واقعًا ملموسًا. وهي لا تعود دفعة واحدة، بل تتسلّل تدريجيًا تحت شعارات براقة: الأمن، النظام، الهوية، والمصلحة القومية.

(6)

يمكن رصد هذه السمات بوضوح في المشهد العالمي الراهن. فالفاشية المعاصرة تقوم على عبادة التقاليد ورفض الحداثة العقلانية، مع استخدام مكثّف للتكنولوجيا الحديثة؛ على رفض النقاش الفكري وتمجيد الفعل والقوة؛ على نزع الإنسانية عن الخصم وتحويل الاختلاف إلى خيانة؛ على الخوف المرضي من “الآخر” وشيطنته، سواء كان مهاجرًا أو أقلية أو شعبًا محتلًا. وهي تستغل الإحباط الاقتصادي للطبقات الوسطى، وتغذّي نظريات المؤامرة، وتقدّم المجتمع بوصفه في حالة حرب دائمة، لا سلام فيها ولا حياد.

(7)

في هذا السياق، لا تبدو فاشية ترامب وفريقه حالة شاذة، بل نموذجًا فاقعًا تنطبق عليه معظم سمات إيكو؛ كما لا يمكن فهم الفاشية الصهيونية المتعزّزة داخل إسرائيل بوصفها انحرافًا عابرًا، بل كمكوّن بنيوي في منظومة حكم ومجتمع، يقوم على التفوق العرقي، نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، وتقديس العنف بوصفه أداة وجود. ومع صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا اللاتينية، تتكرّر البنية ذاتها: سلطة أكثر عدوانية، مجتمع مُعبّأ ضد “الآخر”، وسياسة تُدار بمنطق الاستثناء الدائم.

(8)

وغزة، في هذا السياق، لا تمثل شذوذًا في هذا المسار، بل ذروته الأكثر فجاجة ووضوحًا؛ لقد تحوّلت الإبادة في غزة إلى لحظة مفصلية؛ فهي لم تعد جريمة تُدين فاعلها، بل كسابقة تُختبَر من خلالها حدود المسموح دوليًا.

وهنا يتبدّل معيار الصدمة: القتل الجماعي لا يُسقط الشرعية، بل يصبح نموذجًا قابلًا للتكرار. هكذا تشرعن الفاشية المعاصرة خرق القانون الدولي من بوابة غزة، إلى تطبيع جرائم الحرب على مستوى عالمي.

(9)

للفاشية المعاصرة جذور اقتصادية عميقة. فالرأسمالية الليبرالية، في طورها الراهن، تحوّلت إلى رأسمالية احتكارية رقمية متوحّشة، يتركّز فيها ما يقارب ثلاثة أرباع الثروة العالمية في يد أقل من واحد في المئة من سكان العالم. ومع تراجع هيمنة القطب الواحد وصعود منافسين دوليين، وفي مقدّمتهم الصين، تتصاعد العدوانية الإمبريالية بوصفها أداة دفاع أخيرة عن نظام آخذ في التصدّع.

(10)

Абуисам, [11.01.2026 11:55]

وفي طورها الراهن، لم تعد الإمبريالية تُدار بمنطق السوق أو الاستراتيجية طويلة الأمد، بل تحوّلت إلى سمسرة، تُختزل فيها السياسة الخارجية إلى منطق الصفقة. تعامل فيها الدول والأراضي كأصول مالية قابلة للمقايضة، تُقاس فيها التحالفات بميزان الربح والخسارة الآنية لشبكات ضيقة من المصالح. في هذا السياق، تتراجع الاعتبارات القانونية والأخلاقية، وتغدو الحروب والعقوبات وإعادة رسم الخرائط أدوات تفاوض، في تعبير فاقع عن تلاقي الفاشية المعاصرة مع الرأسمالية المتوحّشة في مرحلتها الراهنة.

(11)

ضمن هذا السياق، لم تعد الإمبريالية تعتمد على الحرب المباشرة وحدها، بل طوّرت أدوات أكثر تعقيدًا: العقوبات الاقتصادية، تغيير الأنظمة، الديون، الحروب بالوكالة، والإمبريالية الرقمية القائمة على السيطرة على تدفّق المعلومات والخوارزميات والمراقبة الشاملة. وهذه الأدوات ليست أقل عنفًا، بل أقل خضوعًا للمساءلة.

(12)

من هنا، لم يعد النضال الفلسطيني قضية محلية أو قومية فحسب، بل تحوّل إلى خط الدفاع الأمامي في المواجهة العالمية ضد الفاشية والإمبريالية المعاصرة. ففلسطين اليوم تؤدي دورًا تاريخيًا يذكّر بدور إسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي: ساحة الصدام الأولى مع الفاشية الصاعدة، ومقياس مستقبل النظام العالمي بأسره.

(13)

في هذا الإطار، تكتسب الدعوة التي أطلقها فلاديمير بوتين إلى تجريم الفاشية ونزعها عالميًا أهمية تتجاوز الظرف السياسي، بوصفها أحد المؤشرات اللافتة على عودة مفهوم تجريم الفاشية إلى النقاش الدولي وشرطًا ضروريًا لأي سلام دولي مستدام، ولا سيما في مواجهة الفاشية الصهيونية المتنامية داخل بنى الحكم الغربية.

(14)

العالم، في هذه اللحظة، بحاجة ماسّة إلى تحالف شعبي ومدني عالمي واسع لمواجهة ثلاثية مترابطة: تدمير القانون الدولي، وصعود الفاشية، والإمبريالية الاستعمارية الجديدة. فالتاريخ يعلّمنا أن الفاشية، رغم وحشيتها، هُزمت سابقًا، ولكن بعد تدمير ملايين الأرواح. أما الفاشية المعاصرة، إذا انتصرت في ظل الأسلحة الحديثة والانهيار البيئي، فقد تعني دمارًا طويل الأمد للبشرية.

(15)

إن تصاعد النضال العابر للحدود تحت راية فلسطين ليس ظاهرة عاطفية، بل لحظة وعي تاريخي نادرة: صراع على معنى الإنسان ذاته، وعلى ما إذا كان العالم سيخضع لمنطق القوة العارية والفاشية العلنية، أم سيعيد بناء نظام دولي قائم على العدالة والكرامة والمساءلة الحقيقية.

Автор: علي ابو عصام

تعليقات() النسخة المطبوعة

اضف تعليق