“مجلس السلام” الأميركي

العلامات:

0
18-01-2026

النموذج الذي كُشف عنه تحت عنوان “مجلس السلام” يبدو، في بنيته التأسيسية، مشروعًا أميركيّ الملامح إلى حدّ يصعب معه ادّعاء الحياد: هيمنة في التوجيه السياسي، وحضور كثيف لمفاصل الإدارة الأميركية، ثم حلقة تشغيل يومي عبر مستشارين مكلّفين بإدارة التفاصيل. هذا الثقل لا يضعف فقط شرعية اللجنة التكنوقراطية في الوجدان المحلي والإقليمي، بل يجعلها معرضة لأن تُرى بوصفها امتدادًا لإرادة خارجية، مهما حملت من مسميات وطنية. ويتعزز هذا الإحساس حين نرى تعدد الأجسام وتداخلها: مجلس سلام، ومجلس تنفيذي/توجيهي، ولجنة وطنية فلسطينية لإدارة غزة. هذا التعدد لا يضمن بالضرورة توزيعًا صحيًا للسلطات، بل ينتج عمليًا تداخلًا ومسؤولية مشتتة، تسمح للفاعلين الخارجيين بإمساك الخيوط الحقيقية مع إبقاء الكلفة السياسية معلّقة على واجهات محلية لا تمتلك أدوات الفعل. وحين تنتقل مفاتيح التشغيل من الميدان إلى غرفة قرار خارجية، تُستنزف شرعية أي هيئة محلية مهما كانت تسميتها، لأن ما يثبّت الشرعية في حالات الانهيار ليس الإطار النظري بل القدرة على الفعل المباشر وتخفيف المعاناة وفرض الحد الأدنى من انتظام الحياة.

الأشد حساسية أن “الإعمار” لا يظهر هنا كحق إنساني مستقل، بل كممر مشروط بمحددات أمنية وسيادية، على رأسها “نزع السلاح”، بما يحول المرحلة الانتقالية من مشروع إنقاذ للحياة اليومية إلى عملية ضبط سياسي تحت غطاء إنساني. ومن داخل هذه المعادلة تُستدعى “قوة الاستقرار الدولية” بوصفها أداة تنفيذ: تعيين قائد أميركي قبل قيام القوة عمليًا يوحي بأن الغطاء الدولي يأتي لاحقًا لتغطية قيادة مقررة سلفًا، فيما تأجيل الحديث عن انتشارها إلى الربع الثاني من 2026 يبقي الأمن رهينة مفاوضات مفتوحة ويترك اللجنة بلا سند مادي على الأرض. وتكتمل الرمزية حين يُستعمل لقب “الممثل السامي”، وحين تُستبعد قوى إقليمية وازنة من أدوار مؤثرة، فتعود إلى السطح مفردات الوصاية والانتداب بصيغ جديدة؛ وهذا ما يغذي رفضًا شعبيًا متوقعًا ويجعل التعاون مع اللجنة اختبارًا للشرعية الداخلية لا مجرد خيار إداري. قد يكون اللفظ إداريًا، لكنه سياسي في أثره، لأن الكلمات في لحظات التحول تصنع حدود القبول قبل أن تصنعها الوقائع.

في النهاية، سيبقى الميدان هو المحكمة التي لا تخطئ: لا قيمة لهندسة مؤسسية أو وعود تمويلية إذا لم تُفتح المعابر، ولم تتوقف عمليات الهدم، ولم تُضمن حركة الأشخاص والبضائع بصورة طبيعية لا استثنائية، وبلا ابتزاز أمني متحرك. وحتى إدخال مليارديرات من وزن مارك روان وياكير غاباي (غباي/جاباي في بعض التداولات) لا يُقرأ فقط كرافعة تمويل، بل كإشارة إلى قابلية خصخصة الإعمار وتحويله إلى فرص نفوذ واستثمار، بما يثير سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا عن “من يربح من الدمار” وكيف تُربط شروط التمويل بتنازلات لاحقة. لذلك، فإن هذا النموذج، كما يبدو في ترتيباته، لا يكتفي بإدارة أزمة غزة، بل يطرح قالبًا قابلًا للتعميم على نزاعات أخرى، عنوانه “استقرار” مصاغ وفق رؤية أميركية. مواجهته لا تكون برفض شعاري فقط، بل بتفكيك هندسته، وإسقاط ربط الإغاثة بالتنازلات، وطرح بديل يقوم على السيادة الفلسطينية ورفض الوصاية، وتحويل مسار النقاش من إدارة الأزمة إلى حل القضية عبر إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب من تقرير مصيره. وتتجسد هذه البنية بصورة أوضح في لحظة الإعلان نفسها، وفي تفاصيل التشكيل وما استُتبِع به من أجسام موازية وأدوار ميدانية ومعادلات أمنية تُحاول أن تعيد تعريف الانتقال قبل أن يبدأ.

حين أعلن البيت الأبيض تشكيل ما سُمّي “مجلس السلام” برئاسة ترامب، لم يقدّم ذلك بوصفه مجرّد لجنة متابعة تقنية لملفّ إنساني، بل بوصفه إطارًا انتقاليًا كاملًا للإشراف على “إعادة إعمار غزة لمدة عامين” ضمن المرحلة الثانية من خطة “20 نقطة”، مع تلميح صريح إلى أن النموذج قابل للتوسيع على نزاعات أخرى. هنا تحديدًا يبدأ المعنى السياسي قبل التفاصيل: ليست المسألة إعادة إعمار فحسب، بل اختبار نموذج حكم وانتقال مُصمَّم خارج غزة، ومحمَّل بشروط أمنية وسيادية تتجاوز فكرة التكنوقراط وتدخل في صلب سؤال “من يملك القرار؟”.

تركيبة المجلس التنفيذي التأسيسي، كما أُعلنت، تؤكد هذا الاتجاه. فهو مجلس أميركي بامتياز، يرأسه ترامب ويضم وزراء ومساعديه ومبعوثيه: وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت غابرييل، ومعهم رجل الأعمال الملياردير مارك روان، ثم أُضيف رئيس البنك الدولي أجاي بانغا. وإلى جانب هذا القلب الأميركي، أُدرج توني بلير رغم الاعتراضات العربية عليه وسجله السلبي في المنطقة وارتباط اسمه بحرب العراق، ما دفع بعض الصحف إلى وصف التشكيلة بأنها “فريق غير متجانس” يجمع سياسيين حاليين وسابقين مع مسؤولين ماليين ورجال أعمال وشخصيات مثيرة للجدل تاريخيًا في الوعي الإقليمي. هذا “اللا تجانس” ليس توصيفًا جماليًا، بل إشارة مبكرة إلى صعوبة إنتاج ثقة سياسية واجتماعية حول إطار يفترض أن يحمل مرحلة انتقالية ثقيلة.

ولأن الإطار ليس رمزيًا، جرى الحديث عن قيادة للتشغيل اليومي عبر تعيين آري لايتستون وجوش جرونباوم كمستشارين لقيادة هذا التشغيل. هذه النقطة، حين تُقرأ ببرود، تعني أن المجلس لا يكتفي بإعلان سياسي وإسناد مهام عامة، بل يريد مفاتيح الإدارة اليومية: تفاصيل الحركة، والتنسيق، ومسار الأموال، وطريقة التنفيذ، وما يُسمح به وما يُمنع، ومن يتقدم ومن يتراجع. وفي مثل هذه القضايا، تكون “حلقة التشغيل” أحيانًا أهم من “الهيئة العليا”، لأن الواقع في غزة لا يتشكل بالخطب بل بالإجراءات، ولأن من يملك الإجراء يملك في النهاية سلطة التعريف: تعريف ما هو ممكن، وما هو ممنوع، وما هو “عاجل”، وما هو “مؤجل”، ومن يُمنح فرصة العمل ومن يُترك ليواجه الفشل وحده.

في قلب المشهد، أُعلن تعيين نيكولاي ملادينوف “ممثلًا ساميًا لغزة” لتنسيق نقل السلطة من حماس إلى الهيئة التكنوقراطية الفلسطينية وخطط التأهيل، مع إعلان أن رئيس “اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة” هو د. علي شعث. لكن حتى قبل أن تُختبر الأسماء والقدرات، كانت التسمية نفسها، “الممثل السامي”، كافية لاستدعاء ذاكرة سياسية قديمة عن عصور الوصاية والانتداب، كأن غزة تُدار من خلال “مندوب أعلى” لا من خلال إرادة محلية. قد يكون اللفظ إداريًا، لكنه سياسي في أثره، لأن السياسة تُصنع أحيانًا من الكلمات قبل الأفعال، وهذه الكلمة بالذات تُضعف تلقائيًا قابلية القبول الشعبي لفكرة الإطار، وتمنح خصومه مادة جاهزة للقول إننا أمام إدارة فوقية بأدوات استعمارية لفظًا ومعنى، حتى لو قُدِّمت الأدوار على أنها تنسيق وانتقال وتهيئة.

ولكي لا يبدو المجلس أميركيًا صرفًا، ظهرت طبقة ثالثة في البناء المؤسسي المقترح: تشكيل “لجنة توجيه/المجلس التنفيذي لغزة” لدعم الحكومة التكنوقراطية، بعضويّة ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، هاكان فيدان، علي الذوادي، حسن رشاد، ريم الهاشمي، نيكولاي ملادينوف، ياكير غاباي (غباي/جاباي في بعض التداولات)، وسيغريد كاغ، مع الإعلان أن أسماء إضافية ستُعلن لاحقًا. هذه الطبقة ليست تفصيلًا جانبيًا؛ إنها محاولة لإخراج الترتيب بواجهة إقليمية ودولية توحي بالتوازن، فيما يظل مركز الثقل الحقيقي في القلب الأميركي للمجلس التنفيذي التأسيسي وفي حلقة التشغيل اليومي التي عُيّن لها مستشارون مباشِرون. وبذلك تتشكل أمامنا ثلاثة أجسام تتداخل وتتزاحم: مجلس السلام، ثم مجلس توجيه/تنفيذي لغزة، ثم لجنة وطنية/تكنوقراطية فلسطينية لإدارة القطاع. تعدد الأجسام لا يُنتج بالضرورة قوة، بل قد ينتج ضبابية بنيوية: من يقرر؟ من يوقع؟ من يتحمل المسؤولية أمام الناس؟ ومن يمتلك أدوات فرض القرار؟ وحين تصبح المرجعيات متراكبة، يصبح من السهل على القوى الأقوى أن تُدير التفاصيل من وراء ستار “التنسيق”، وأن تُبقي المسؤولية موزعة بحيث لا يملك أحد القدرة الكاملة ولا يتحمل أحد اللوم الكامل.

عند هذه النقطة يطلّ “العنصر المفقود” الذي وصفته التقارير صراحة: قوة الاستقرار الدولية ISF، المفترض أن تتولى نزع السلاح وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. جرى الإعلان عن تعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفيرز قائدًا لها “فور إنشائها”، دون اتفاقات نهائية مع الدول المشاركة حتى الآن. هذا الإعلان الاستباقي يفتح الأسئلة التي لا يجوز القفز فوقها: أين هي قوة الاستقرار وهي لم تتشكل بعد؟ ولو لم تتشكل، ما وظيفة قائدها؟ هل سيستند إلى قوات “سنتكوم” الأميركية فقط؟ وهل يصبح الحديث عن “قوة دولية” غطاءً لفظيًا لقيادة أميركية فعلية تنتظر اكتمال الشرعية الشكلية؟ الأسئلة هنا ليست تشكيكًا مجانيًا؛ إنها صلب مصداقية المرحلة الثانية. لأن المرحلة الثانية، وفق ما أعلنه ويتكوف، ليست انتقالًا إداريًا بريئًا من وقف النار إلى التعافي، بل انتقال مُعرّف بوصفه انتقالًا إلى حكم تكنوقراطي وإعادة إعمار ونزع سلاح كامل يشمل “جميع العناصر غير المصرح لها”. أي أن “الإعمار” يُربط من البداية بشرط أمني شامل، وأن لجنة التكنوقراط تُدفع لتعمل تحت سقف “نزع السلاح” لا تحت سقف “فتح المعابر ووقف الهدم والانسحاب”، ما يجعل الإطار الانتقالي مشدودًا إلى معادلة سيادة لا إلى معادلة إنقاذ.

هنا يتصل هذا النموذج مباشرة بما تعرفه المنطقة من هندسة مرحلية تُحمِّل المرحلة الأولى مكاسب للخصم وتؤجل القضايا الجوهرية، ثم تُعاد صياغة الشروط أثناء التنفيذ لإبقاء الانتقال نفسه رهينة. في النسخة الراهنة، قد تتحول “قوة الاستقرار” إلى شرط دائم الحضور وغائب التنفيذ، وقد يتحول نزع السلاح إلى عنوان دائم يضغط على الإدارة المدنية ويقيدها، بينما يظل مفتاح الميدان خارج يدها. ومع مرور الوقت، يصبح الانتقال ذاته مساحة تفاوض لا نقطة عبور، وتصبح التفاصيل اليومية—المعابر، الحركة، الإمدادات—هي أدوات التحكم الفعلي، لا العناوين الكبرى التي تُعلن في المؤتمرات.

إذا كان البناء المؤسسي يخلق أسئلة شرعية وسيادة، فإن الميدان يخلق أسئلة إمكانية. وهنا تأتي الإشارات الميدانية التي قدّمتها “الأخبار اللبنانية” بوصفها تفاصيل لا تُحسم بالبلاغة. فـ“اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة” باشرت أعمالها رسميًا من القاهرة، مع توقع جولة ميدانية داخل القطاع خلال أيام، وسط توصيف لتفاؤل “مفرط” مقارنة بتعقيدات الواقع. القاهرة مرشحة للتنسيق مع الاحتلال للسماح بدخول أعضاء اللجنة عبر كرم أبو سالم بشكل استثنائي، دون تحويله لمعبر حركة أفراد. حتى هذا السطر وحده يكفي لتلخيص طبيعة الاختبار: لجنة تبدأ “كأفراد” قبل أن تبدأ كسلطة، وتدخل أرض مهمتها عبر ترتيبات استثنائية تُبقي الأصل ثابتًا، وهو أن حركة الأشخاص نفسها ليست بيد الإدارة الفلسطينية الجديدة، بل تمر من بوابة الاحتلال وتقديراته، وأن الاستثناء يُمنح بوصفه إذنًا مؤقتًا لا حقًا ثابتًا.

وعلى الأرض لا تتوقف العقدة عند الدخول والخروج، بل تمتد إلى تفاصيل “الخط الأصفر” وتموضع القوات، وإلى النقاش المستمر حول سلاح المقاومة وقوة الاستقرار الدولية. في اتصال مصري–أميركي بين بدر عبد العاطي وويتكوف، كان التركيز على خطوات ما بعد اجتماع القاهرة، مع تقديرات أولية لانتشار قوة الاستقرار في الربع الثاني من 2026، مع استمرار “خلافات” حول تفاصيل يتمسك بها الاحتلال خلافًا للاتفاق. هذا التوقيت وحده يفضح توترًا جوهريًا: كيف تُعلن مرحلة ثانية بصفتها انتقالًا تشغيليًا، ويُعيَّن قائد لقوة لم تولد، فيما تُقدَّر لحظة انتشارها بالربع الثاني من 2026؟ معنى ذلك أن “الأمن الدولي” يُستعمل الآن كرافعة سياسية وشعار إدارة، لا كقدرة حاضرة تضمن الانسحاب وتؤمّن العمل. وبين الإعلان والواقع تتسع فجوة تُدفع اللجنة التكنوقراطية إلى ملئها بجهدها المحدود، فتتحول إلى واجهة تُحاسَب على عجز لم تصنعه.

ومن ثم تأتي بوابة رفح، لا كمعبر فقط بل كعنوان سيادي ومعيشي. ويتكوف شدد على فتح رفح بالاتجاهين كخطوة “لبناء الثقة”، بينما يستمر الربط الإسرائيلي بملف جثمان آخر أسير. بهذه الطريقة يصبح “اختبار الثقة” نفسه حقل ابتزاز: يُفتح رفح إذا قُدّم ثمن سياسي/أمني، ويُغلق إذا لم يُقدَّم، وكأن الحركة المدنية والإنسانية تُعامل كورقة تفاوض لا كحق. وفي المقابل، يخرج موقف حماس على لسان المتحدث حازم قاسم ليضع المعادلة كما هي: الحركة تطالب واشنطن بإلزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى لإنهاء الحرب، وتؤكد استعدادها لتسليم إدارة القطاع للجنة التكنوقراطية. هذا التفريق بالغ الدلالة: مرونة في الإدارة اليومية لتخفيف معاناة الناس، لكن صرامة في مطلب إنهاء الحرب واستكمال استحقاقات المرحلة الأولى، لأن الانتقال إلى الثانية على أرض منقوصة يتحول إلى إعادة تعريف للاتفاق لا إلى تنفيذه، ويصبح “الانتقال” ذاته محل نزاع بدل أن يكون ممرًا إلى استقرار.

عند هذا الحد تتكشف الصورة التي تحاول واشنطن رسمها لمصر أيضًا. ترامب بعث رسالة للسيسي أشاد فيها بدور القاهرة في التوصل لوقف إطلاق النار في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وقدّم ذلك كأساس لشراكة أوسع في ملفات الإقليم، بما يوحي بمحاولة تحويل “وساطة غزة” إلى رافعة سياسية لمقايضات لاحقة مع مصر. وفي الرسالة نفسها، عرض ترامب استئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا لحسم ملف “تقاسم مياه النيل” نهائيًا، مؤكدًا مبدأ “لا ينبغي لأي دولة أن تتحكم منفردة في مياه النيل”. التوقيت يتقاطع مع تقارير عن لقاء مرتقب السيسي–ترامب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم الاثنين، وبحسب المنقول عن مصدر فإن اللقاء قد يتضمن إعلانات مرتبطة بـ“مجلس السلام” أو إطار إدارة غزة. وعلى مسار غزة الميداني، يُتوقع أن تضطلع مصر بدور “قناة التنسيق” في ترتيبات الحركة والدخول، خصوصًا ملف فتح رفح بالاتجاهين بوصفه اختبار ثقة في المرحلة الثانية؛ وفي الأدبيات الأميركية المطروحة تُقدَّم القاهرة كضامن إقليمي لتثبيت التهدئة وربطها بممرات إنسانية وإدارية قابلة للتوسع. ويمكن الاكتفاء هنا بقراءة هذا التقديم بوصفه جزءًا من محاولة بناء “سلة تفاهمات” تتجاور فيها ملفات غزة ورفح والإعمار مع ملفات استراتيجية كالنيل، بما يمنح واشنطن رصيدًا سياسيًا متعدد الساحات في وقت واحد.

وفي ظل هذا كله، تظهر دلالة إدخال “أسماء الثروة” لا كزينة، بل كإشارة إلى فلسفة التمويل. تقارير تتحدث عن مارك روان بوصفه أحد أكبر وجوه الاستثمار البديل، مع تقديرات عن أصول Apollo بنحو 785 مليار دولار وفق بيانات 2025، وثروة شخصية تقارب 8.2 مليارات دولار وفق فوربس 2026. وفي المقابل يُذكر ياكير غاباي (غباي/جاباي في بعض التداولات) رجل أعمال إسرائيلي-قبرصي في العقارات الأوروبية، مرتبط بحصة في Aroundtown ومحفظة تُقدّر بنحو 30 مليار دولار، وثروة تُقدّر بنحو 4.1 مليارات دولار وفق فوربس يناير 2026. إدخال رجال أعمال بهذا الوزن يوحي بميل الإطار الجديد إلى هندسة إعادة الإعمار عبر أدوات استثمار وائتمان وشراكات، لا عبر مساعدات تقليدية فقط، ما يفتح حساسية سياسية مضاعفة حول النفوذ وشروط التمويل وحدود “الاستفادة” ومن يربح من إعادة بناء مدينة مدمرة. وفي بيئة مدمرة ومفتوحة على الابتزاز، يصبح التمويل أداة تأثير بقدر ما هو أداة إنقاذ، وتصبح شروطه المحتملة جزءًا من معركة السيادة لا تفصيلًا ماليًا منفصلًا.

لكن أي فلسفة تمويل، مهما كانت، تُختبر بواقعٍ أبسط: التمويل لا يساوي شيئًا إذا بقيت المعابر مقفلة أو بقي القصف والهدم قائمين أو بقي جزء من القطاع تحت الاحتلال. حتى لو توفرت الأموال، ستتعطل حركة الإغاثة والمواد وفرق العمل، وستُستنزف اللجنة في إدارة العجز بدل إدارة الحل. لذلك تُختبر جدية الترتيب من بوابة الميدان لا من بوابة البيانات. وإذا كانت هذه الهيئة تُقدَّم كمرحلة انتقالية هدفها إنقاذ الحياة اليومية أولًا ثم فتح طريق للإغاثة فالإعمار، فإن معيارها ليس الخطط بل الإيواء والصحة والتعليم والماء والكهرباء والخدمات البلدية؛ فإذا لم يحدث هذا الانتقال سريعًا ستفقد الفكرة معناها حتى لو بقيت قائمة اسمًا. هنا لا يعود السؤال “كم سيُجمع من تمويل؟” بل “كيف سيصل التمويل إلى أثر ملموس؟”، وما إذا كانت القيود الميدانية ستسمح بتحويل المال إلى مواد وإلى فرق عمل وإلى إعادة انتظام للحياة.

وتزداد المفارقة عندما نرى أن مرجعية اللجنة العملية تتجه نحو “مجلس السلام” ضمن الإطار الأميركي، ما يجعل القرار محكومًا بسقف خارجي أكثر من كونه قرارًا وطنيًا داخليًا. ومع ذلك تُستمد شرعيتها الفلسطينية من قبول الفصائل أو عدم اعتراضها، لأن هذا القبول هو ما يمنع عزلها اجتماعيًا وسياسيًا. غير أن هذا القبول نفسه يأتي تحت ضغط الوقائع المفروضة لا ضمن مسار تشاوري طبيعي. ولهذا فإن تشغيل غزة إداريًا لن ينجح إذا بدأ من الصفر، لأن الوقت لا يسمح بتجارب جديدة بينما الناس تحت ضغط يومي؛ يصبح الاعتماد على الجهاز المدني القائم—الصحة والتعليم والتخطيط والخدمات والشرطة—طريقًا عمليًا لتثبيت الحد الأدنى من النظام. ومن دون الاستفادة من الموجود ستتضاعف الفوضى وتتعطل الخدمات وتُحمَّل اللجنة كلفة تعقيد لا طاقة لها به، وتُستدرج إلى استهلاك الوقت في ترتيب ما هو بديهي بدل مواجهة ما هو مصيري.

ثم تأتي العقدة التي تختصر كل شيء: فرص نجاح المرحلة الثانية تُقاس بسلوك إسرائيل. إمّا تسهيل يسمح بالعمل، أو تعطيل يُفشل الترتيب ثم يُلقى اللوم على الإدارة الجديدة. فالانسحاب الانتقائي، وفتح المعابر لفترات محدودة، واستمرار الهدم، كلها أدوات ضغط تُبقي القرار الحقيقي خارج غزة. ووقف النار لا يعني نهاية الحرب إذا استمر الاستهداف والهدم والسيطرة الميدانية بوتيرة أقل، لأن النتيجة واحدة: تعطيل الاستقرار ومنع الإعمار المنظم. الهدم بعد الهدنة يثبت أن التدمير يمكن أن يكون مسارًا مستمرًا لا “حادث حرب” فقط، فيفرغ أي حديث عن انتقال طبيعي إلى التعافي. ومع هذا الواقع ستُدار غزة كملف أمني متحرك لا كحيّز قابل للبناء، وسيظل المجتمع في دائرة الانهيار مهما تبدلت العناوين.

في هذه النقطة بالذات تتضح حجة الاستفراد الأميركي كما وردت في التعليق الذي أرفقته: سعي ترامب إلى حكم غزة بأدوات أميركية مباشرة، مع محاولة تخفيف الانطباع بتعيين شخصيات عربية وإسلامية، لكن هذا الاستفراد نفسه يُقرأ كدليل على فشل ترامب في إقناع زعماء من العالم بالمشاركة بمجلس السلام. وإذا كان الأمر كذلك، فسيأتي الفشل التالي عند بوابة القوة الدولية بسبب تعنت إسرائيل ورفضها إشراك تركيا، وخوف الدول من الدخول في مواجهة مع المقاومة الفلسطينية عند محاولة نزع سلاحها. وهنا تصبح المرحلة القادمة شديدة القسوة على الفلسطينيين: هم في معركة بقاء وصمود، وسيتمسكون بديمومة وقف إطلاق النار والوصول للإغاثة الكاملة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، لكنهم في المقابل لن يتنازلوا عن رفض الوصاية ونزع السلاح. سيتعاملون مع حكومة التكنوقراط بمقاربات تمزج بين الترحيب والتعاون لإنجاح عملها الميداني، ومعارضة أي خطوات للتساوق مع مطالب مجلس السلام. ومن خلال وحدة موقفهم يستطيعون التصدي شعبيًا لأي خيار ينتقص من سيادتهم الوطنية أو يحاول استبدال الاحتلال الإسرائيلي باستعمار من نوع آخر. وفي العمق، لن يتخلوا عن خيار المقاومة كخيار استراتيجي، وسيتعاملون مع مشاريع ترامب بوصفها قابلة للإحباط كما أُحبطت من قبل مشاريع التهجير، ومن قبلها التهويد والضم والتفريط بالأرض عبر مسارات تسوية لم تُنتج إلا تأجيلًا على حساب الجوهر، لأن جوهر الصراع لم يكن يومًا في إدارة اليومي وحدها، بل في معنى الأرض والحق والسيادة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة “مجلس السلام” كعنوان مُطمئن بذاته، ولا يمكن اعتبار “التكنوقراط” ضمانة تلقائية للنجاح. النجاح هنا مُعلّق على ما هو أبسط وأصعب: صلاحيات حقيقية، ميزانيات ومسارات تنفيذ، فتح معابر دون ابتزاز، وقف هدم واستهداف، وانسحاب يخرج من كونه لفظًا إلى كونه واقعًا. وما دون ذلك سيبقي كل الأجسام الجديدة—مجلس السلام، والمجلس التنفيذي/التوجيهي، واللجنة الوطنية/التكنوقراط—تتبادل الأسماء والوعود، بينما يظل الميدان هو من يكتب النتيجة، ويظل الناس هم من يدفع ثمن أي هندسة لا تُترجم إلى حياة قابلة للعيش.

Автор: علي ابو عصام

تعليقات() النسخة المطبوعة

اضف تعليق