هل كان «النير التتاري» عبودية مطلقة؟ قراءة في كتاب «روسيا والأوردا»

العلامات:

0
17-02-2026

قراءة في كتاب

«روسيا والأوردا»

‏(Русь и Орда)

لألكسندر بوريسوفيتش شيروكوراد

علي أبو عصام

باحث في التاريخ السياسي الروسي

يمثّل كتاب «روسيا والأوردا» (ويقصد بالأوردا الكيان المعروف في الدراسات العربية باسم القبيلة الذهبية المغولية) للمؤرخ الروسي ألكسندر بوريسوفيتش شيروكوراد محاولة مراجعة عميقة لذاكرة تاريخية تأسيسية في الوعي الروسي. لا يكتفي المؤلف بسرد وقائع الغزو المغولي، بل يتعامل مع سبعة قرون باعتبارها سياقاً تاريخياً متصلاً، لا مجموعة أحداث متفرقة. وفي هذا الإطار يضع العلاقة الروسية–التتارية في صميم تشكّل الدولة الروسية وبناء هويتها السياسية.

منذ الصفحات الأولى يخوض شيروكوراد مواجهة مزدوجة: مواجهة مع الماضي نفسه، ومواجهة مع التأريخ الذي صاغ صورته. وهو معروف بتخصصه في التاريخ العسكري الروسي، ولا سيما تاريخ المدفعية والبحرية والإمبراطورية الروسية والحقبة السوفييتية. إنتاجه غزير، ونبرته تميل إلى الطابع الجدلي التصحيحي، مع اهتمام واضح بإعادة قراءة السرديات التاريخية السائدة من منظور عسكري–سياسي دقيق.

المدخل: تفكيك الصورة الراسخة

يفتتح شيروكوراد كتابه بمراجعة المفهوم الذي استقر طويلاً في الكتب المدرسية: «النير التتاري-المغولي». ويرى أن هذا المصطلح لم يكن توصيفاً محايداً، بل نتاج تراكم أيديولوجي عبر قرون. يتتبع نشأته في القرن الثامن عشر، ثم تضخّمه في القرن التاسع عشر مع صعود القومية الروسية، ويشير إلى إعادة توظيفه في الحقبة السوفييتية ضمن إطار الصراع الطبقي والاستغلال الإمبريالي.

لا ينشغل الكاتب بالحدث وحده، بل بطريقة كتابته أيضاً. كيف تحولت مرحلة معقّدة من التبعية السياسية إلى صورة «عبودية مظلمة»؟ من احتاج إلى هذه الصياغة؟ وفي أي سياق تاريخي استقرت؟

المشهد قبل العاصفة: التفكك الروسي

ينتقل الكتاب إلى مطلع القرن الثالث عشر، حيث كانت إمارات الروس تتنازع الإرث الكييفي. لم تكن هناك دولة مركزية جامعة، بل أمراء يتنافسون ضمن تحالفات هشة. يعرض شيروكوراد معركة كالكاه عام 1223 باعتبارها مؤشراً على خلل بنيوي في النظام السياسي الروسي: تردد، انسحابات، وتفاهمات غير مستقرة.

عندما وصل الغزو المغولي الشامل بعد سنوات، واجه الروس قوة منظمة ذات بنية عسكرية واضحة، في وقت كانوا يعانون ضعفاً داخلياً عميقاً. ويشير الباحث بوضوح إلى أن الكارثة نتجت عن تلاقي عاملين: هشاشة داخلية وضغط خارجي في آن واحد.

الغزو وإعادة ترتيب السلطة

عند اجتياح المغول للأراضي الروسية وقع دمار واسع، ولا يتردد شيروكوراد في الإقرار بذلك. لكنه يتحفظ على تعميم صورة الدمار باعتبارها حالة ممتدة لقرنين كاملين. بعد المرحلة العسكرية الأولى استقر نمط حكم غير مباشر: الخان في السراي، والأمراء الروس في إماراتهم.

كانت الجزية تُدفع بانتظام، ويمنح الخان «اليارليق» بوصفه وثيقة شرعية، ويُعلن الولاء السياسي، بينما ظلت الإدارة اليومية بيد الروس، وحافظت الكنيسة على بنيتها ومكانتها، وبقيت البنية الإقطاعية قائمة.

في هذا السياق يقدم شيروكوراد تحليلاً قانونياً–سياسياً دقيقاً لآلية التفويض. فالـ«يارليق» لم يكن مجرد وثيقة، بل أداة لتنظيم موازين القوى بين الأمراء. يمنح الخان الشرعية ويعزل، ويتنافس الأمراء على رضاه. ومع مرور الوقت انتقل مركز الثقل من كييف القديمة إلى فضاء أوراسي أوسع.

الأمراء الروس كفاعلين

من أكثر أفكار الكتاب إثارة للجدل تأكيده أن الأمراء الروس لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين، بل شاركوا بوعي في تشكيل النظام الجديد. بعضهم بادر إلى الخضوع لتثبيت سلطته الداخلية، وبعضهم استعان بدعم القبيلة الذهبية لقمع خصومه.

في حالات عديدة جاء الخضوع نتيجة حساب سياسي وبراغماتية واضحة. العلاقة بدت تشابك مصالح معقداً، يتجاوز الصورة التبسيطية لعلاقة سيد مطلق بعبد مطلق.

ألكسندر نيفسكي: بين الرمز والسياسة

يخصص شيروكوراد فصلاً لألكسندر نيفسكي، الشخصية التي ارتفعت إلى مرتبة الرمز القومي. يعيد قراءته بوصفه سياسياً واقعياً يتحرك ضمن ميزان قوى معقد. انتصاراته على السويديين والتيوتونيين تبقى حاضرة، كما أن تعاونه مع القبيلة الذهبية وقمعه تمرّدات ضدها يدخلان في سياق توازنات دقيقة. تفضيله الاستقرار مع القوة الشرقية يقدمه الكاتب خياراً سياسياً محسوباً في القرن الثالث عشر.

الكنيسة الأرثوذكسية والامتيازات

يتناول الكتاب وضع الكنيسة الأرثوذكسية، مبرزاً حصولها على إعفاءات ضريبية واحتفاظها ببنيتها المؤسسية. في بعض المراحل أدت دور الوسيط بين السلطة المغولية والأمراء. هذه الوقائع تكشف طبقة إضافية من التعقيد في العلاقة، وتدعو إلى قراءة تتجاوز صورة الصراع الديني الشامل.

الاقتصاد والجزية والبنية الإدارية

يفتح شيروكوراد ملف الجباية بتحليل منهجي، فيدرس حجم الجزية وآليات جمعها، ويتوقف عند الدور الذي لعبته موسكو لاحقاً في احتكار هذه المهمة. كما يناقش التأثيرات المحتملة للنموذج الإداري المرتبط بالقبيلة الذهبية في الدولة الروسية الناشئة: نظام البريد «اليام»، التعبئة العسكرية، مركزية القرار، ومفهوم السلطة العليا الواحدة. ويقر بوجود تأثيرات بنيوية يصعب تجاهلها، من دون أن يذهب إلى القول بوراثة مباشرة.

صعود موسكو: من وسيط إلى مركز

يتتبّع الكتاب صعود موسكو مساراً تدريجياً. تقدمها تم عبر إتقان التعامل مع القبيلة الذهبية، والحصول على حق جمع الجزية، وتراكم الموارد، واستخدام الشرعية المغولية لإخضاع الإمارات الأخرى. ينظر شيروكوراد إلى معركة كوليكوفو باعتبارها محطة رمزية ذات دلالة معنوية ضمن تحول طويل ارتبط أيضاً بتفكك داخلي في القبيلة الذهبية وصعود القوة الموسكوفية.

تفكك القبيلة الذهبية وسقوط الخانات

مع انتقال روسيا إلى موقع القوة يبدأ فصل جديد. يسرد المؤلف الحملات ضد كازان وأستراخان بتفصيل عسكري دقيق: الاستعدادات، التحالفات، الحصار، المدفعية، المقاومة. سقوط كازان عام 1552 يمثل انتقالاً نوعياً نقل روسيا إلى أفق إمبراطوري. السيطرة على الفولغا منحتها شرياناً اقتصادياً استراتيجياً وفتحت الطريق إلى سيبيريا.

القرم: عقدة الجنوب

تمثل خانية القرم امتداداً للإرث المرتبط بالقبيلة الذهبية في الجنوب، مع غارات متكررة وعلاقة وثيقة بالدولة العثمانية. عبر حروب طويلة انتهت روسيا في عهد كاترين الثانية إلى ضم القرم عام 1783. يضع شيروكوراد هذا الحدث ضمن مسار تاريخي ممتد باعتباره نتيجة تراكمية لصراع طويل.

القرن العشرون: الذاكرة الجريحة

يصل الكتاب إلى الحرب العالمية الثانية، ويتناول مسألة تعاون بعض تتار القرم مع القوات الألمانية، ثم قرار الترحيل الجماعي عام 1944. يعرض الوقائع والسياق الأمني السوفييتي والتداعيات الإنسانية. بهذا الربط يبين كيف يستمر أثر الماضي في تشكيل الذاكرة والسياسة المعاصرة.

الرؤية الكلية

عبر هذه الفصول مجتمعة يقدم شيروكوراد رؤية لروسيا تشكلت داخل فضاء أوراسي تداخلت فيه قوى وثقافات وهياكل سياسية. العلاقة مع القبيلة الذهبية تظهر مرحلة تأسيسية في بناء الدولة المركزية الروسية ضمن مسار تاريخي مركب.

تقييم شامل

تكمن قوة الكتاب في نقده المؤرِّخاتي، وفي دقته العسكرية–السياسية، وفي قدرته على تفكيك السرديات المستقرة. نبرته التصحيحية حادة أحياناً، ويمنح التحليل العسكري أولوية واضحة على الاجتماعي، غير أن العمل ينجح في إعادة فتح ملف طالما أحاطت به طبقات كثيفة من الأسطرة.

يندرج شيروكوراد ضمن تيار بحثي متصاعد في العقود الأخيرة يقوم على مراجعة الصيغة المدرسية الصلبة لمفهوم «النير التتاري-المغولي». في الكتابة الأكاديمية الحديثة برز تحفظ ملحوظ تجاه مصطلح “иго”، بوصفه محمّلاً بإرث أيديولوجي. يظهر هذا المنحى في أعمال Charles J. Halperin حول صورة المغول والتتار في المدونات الروسية، وفي دراساته لتأثير القبيلة الذهبية في التاريخ الروسي الوسيط، كما يتجلى في أبحاث روسية حديثة تناولت المفهوم باعتباره بناءً خطابياً داخل التأريخ.

ما يميز أطروحة شيروكوراد في هذا السياق أنه يعالج إشكالية منهجية حقيقية، ويتجاوز الثنائية الأخلاقية الحادة التي سادت في بعض السرديات القومية. الفصل بين مرحلة الغزو العسكري الأولى ونمط التبعية اللاحق الأكثر تعقيداً ينسجم مع أدوات التحليل الأكاديمي الحديث، كما أن تركيزه على الفاعلية الروسية الداخلية، وعلى لعبة الشرعية والتحالفات، يضع الكتاب في حوار مباشر مع الاتجاهات البحثية المعاصرة.

بهذا المعنى يضع شيروكوراد عمله في قلب نقاش تاريخي مستمر حول طبيعة المرحلة الأوراسية في تكوين روسيا، ويقدّم قراءة جدلية تستحق أن تدخل في صلب النقاش العلمي الدائر حول هذا الفصل المفصلي من التاريخ الروسي.

تعليقات() النسخة المطبوعة

اضف تعليق