تحليل جوانب الحوكمة والإرث الاستراتيجي لآية الله خامنئي -الاستقلال، الاكتفاء الذاتي، والمقاومة

العلامات:

0
12:40

العمل الإرهابي والإجرامي الذي ارتكبته الولايات المتحدة والنظام العبري، والموجّه عمدًا ضد أعلى مسؤول في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سماحة آية الله خامنئي، في 28 فبراير 2026، يُعدّ انتهاكًا فجًّا للقواعد الآمرة واعتداءً على المبدأ غير القابل للمساس «حصانة رؤساء الدول» في القانون الدولي. إن الهجوم على الركيزة العليا لسيادة إيران، التي تُعد رمزًا للاستقرار الوطني والسلطة، يتجاوز حدود انتهاك السيادة، ويشكّل إنذارًا بالغ الخطورة بإمكانية تقويض أسس السلام والأمن المستدامين على المستويين الإقليمي والدولي.

الحفاظ على الأصالة في سياق التحولات: قراءة في حقبة حكم آية الله خامنئي

1. النشاط السياسي: تطوّر الفكر السياسي في أتون الصراع

بدأ نشاطه السياسي في أوائل ستينيات القرن العشرين، وارتبط بتجربة قاسية من الاعتقال والنفي خلال حكم سلالة بهلوي. لم تكن تلك المرحلة انقطاعًا، بل كانت فرصة لإعادة قراءة النصوص الدينية التأسيسية (القرآن، نهج البلاغة) وشرح «النظرية السياسية للإسلام»؛ وهي صياغة شاملة أصبحت لاحقًا أساس إدارة الأزمات على المستوى الاستراتيجي في الجمهورية الإسلامية.

2. مرحلة الرئاسة: إدارة في ظل الحرب والعقوبات

كانت فترة رئاسته من 1981 إلى 1989، إلى جانب معالجة الأزمات الناجمة عن الحرب والعقوبات، مرحلة لتعزيز مؤسسة الرئاسة وتنظيم التنسيق بين السلطات. وفي الوقت نفسه، يُعد حضوره البارز في الجمعية العامة للأمم المتحدة (عام 1987) وطرحه المتماسك للموقف المبدئي لإيران تجاه عدوان نظام البعث العراقي من أبرز تجليات دبلوماسيته النشطة.

3. مرحلة القيادة: من المثالية الواقعية إلى بلورة استراتيجية «الاستقلال، الاكتفاء الذاتي، والمقاومة»

شكّل تولي آية الله خامنئي القيادة عام 1989 نقطة تحول في إعادة تعريف مفهوم السلطة داخل نظام الثورة الإسلامية. وتبلورت بنية شخصيته السياسية في عقيدة «المثالية الواقعية»، وهي مقاربة تُقيم ترابطًا عضويًا وثيقًا بين القيم الأساسية والمتطلبات الجيوسياسية. في هذا الإطار، لا يُفهم الردع بوصفه تكتيكًا دفاعيًا بحتًا، بل بوصفه حصيلة للقوة الداخلية والهوية الوطنية. ومن هذا المنظور، تُعدّ «القدرة الذاتية في الحسابات الاستراتيجية» متغيرًا مستقلاً.

يعتمد نموذج الحوكمة لديه، القائم على ثلاثية «الاستقلال، الاكتفاء الذاتي، والمقاومة»، على الأفكار الاستراتيجية التالية:

1. مقاربة «العزة، الحكمة، والمصلحة»: تفسير الثلاثية الأساسية التي تحدد الدبلوماسية وتنظّم العلاقات الدولية على أساس المصالح الوطنية.

2. تطوير الردع الفعّال: إعادة صياغة المنظومة التحليلية للخصوم عبر تعزيز القدرات الذاتية (الدفاعية والصاروخية) بما يكفل حماية الأمن القومي.

3. تعزيز الاستقرار السياسي: الحفاظ على النظام الداخلي عبر ترابط «الجمهورية» و«السلطة».

4. شرح منطق المقاومة: مواجهة عقلانية لسياسة «الضغط الأقصى» ورفض الإجراءات الأحادية في بنية النظام العالمي.

5. اعتماد مقاربة متعددة الأطراف: إعطاء الأولوية لتطوير العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى والناشئة والمستقلة (خاصة الصين وروسيا) للحفاظ على التوازن في النظام الدولي.

6. الدبلوماسية المعيارية: نقد بنيوي لازدواجية المعايير في القضايا العالمية (مثل حقوق الإنسان) والتفاعل مع الرأي العام الدولي على أساس عقيدة الكرامة الإنسانية.

4- إرث الشهادة: بداية بعث شعبي واستمرار العقلانية الثورية

إن تحليل فترة القيادة الممتدة 37 عامًا لسماحة آية الله العظمى السيد علي خامنئي يوضح نموذجًا فريدًا في الحوكمة، استطاع، بفضل الربط الاستراتيجي بين «المثالية» و«الواقعية»، أن يحوّل الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى فاعل نشط ومؤثر في هندسة القوة الجديدة. إن الحفاظ على هذا الإرث المتجذر، إلى جانب تعزيز الردع الدفاعي، سيسهم في تحقيق الازدهار العلمي وفتح آفاق البناء الحضاري مستقبلًا.

وفي هذا السياق، فإن العمل الإرهابي الذي ارتكبته الولايات المتحدة والنظام العبري، والموجّه ضد الرمز الأعلى للسلطة السياسية-الدينية في العالم الإسلامي، يتجاوز كونه جريمة وحشية، ويشكّل بداية يقظة جماعية للشعوب وتحديًا بنيويًا للهيمنة التدخلية الغربية؛ وهو حدث سرّع بدرجة مضاعفة مسار الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب وأكثر عدالة. وفي هذا الإطار، فإن افتتاح فصل جديد مع الانتخاب المستحق لسماحة آية الله السيد مجتبى خامنئي قائدًا للثورة الإسلامية، يحمل وعدًا باستمرار العقلانية الثورية، وصون الاستقلال السياسي والمصالح الوطنية، وتحقيق حضارة إسلامية جديدة في مواجهة النماذج العابرة للحدود المفروضة.

كاظم جلالي، سفير الجمهورية الإسلامية لدى روسيا الاتحادية

صحيفة «زافترا» الروسية، 14 مارس 2026

تعليقات() النسخة المطبوعة

اضف تعليق