من العادات الجميلة المنتشرة في القرى التتارية خلال الأعياد، والتي لفتت انتباهي وأحببت الإشارة إليها، عادة إحياء التكبير الجماعي في صباح العيد، بما يحمله من روحانية وبهجة وأجواء حفاوة مستمدة من سنة التكبير في الأعياد.
وقد انتشرت مؤخراً مقاطع فيديو من القرى التتارية في منطقة نيجني نوفغورود توثّق هذه المشاهد، وتُظهر كيف ما تزال هذه التقاليد حيّة ومتجذّرة في المجتمع المحلي.
في قرية ريبوشكينو بمحافظة نيجني نوفغورود، وهي قرية تتارية كبيرة تُعد من أقدم القرى التتارية في المنطقة، يجتمع الرجال باكراً صبيحة العيد قرب مقبرة القرية، حيث يدعون لأقاربهم ومعارفهم ممن رحلوا وغادروا دنيانا. وقد وجدت التتار أوفياء لذكرى الراحلين من أقاربهم؛ ففي المجالس التي يجتمعون فيها يذكرونهم ويدعون لهم، حتى إنهم يُعدّون دفتراً خاصاً تُكتب فيه أسماؤهم، ويسلّمونه للمُلّا في المجالس ليذكرهم ويدعو لهم ويُهدي إليهم ثواب ما يُقرأ من القرآن. وفي صبيحة العيد يزورون قبورهم ويدعون لهم. وتكون العائلات قد نظّفت المقبرة من الأعشاب وغيرها لتسهيل الحركة فيها صباح العيد.
بعد ذلك ينطلقون في مسيرة جميلة في صفوف منظمة يتقدمهم الشيوخ، يجوبون طرقات القرية مهللين ومكبرين، ويتوقفون عند مفارق الطرق لرفع أصواتهم بالتكبير، حتى يصلوا إلى المسجد وهم يرددون تكبيرات العيد، ثم يقفون قبالته قليلاً يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل قبل الدخول لأداء الصلاة والاستماع إلى الخطبة. ثم يهنئ بعضهم بعضاً بعد الصلاة وينطلقون إلى بيوتهم.
وعرفت من أهل القرية أن هذه العادة قديمة ومتأصلة، توارثها الأحفاد عن الآباء والأجداد، وليست ظاهرة حديثة.
وفي قرى أخرى، مثل قرية شوبينو في منطقة سيرغاتش التابعة للمحافظة نفسها، يُقبل الرجال من طرق مختلفة وهم يرددون تكبيرات العيد، وتشاركهم النساء هذه المسيرات، حتى يلتقي الجمع عند مسجد القرية.
وهناك يقفون في صفوف متقابلة، يرددون تكبيرات العيد جماعياً قبل الدخول إلى المسجد لأداء الصلاة والاستماع إلى الخطبة.
بعد الصلاة يعود كلٌّ إلى بيته ليذبح قربانه إن كان قد نواه، بحضور المُلّا الذي يدعو لأصحاب الأضاحي بالخير والبركة والقبول، وذلك طيلة أيام العيد الثلاثة.
ثم تبدأ زيارات الأقارب والأهل، وتوزيع لحوم الأضاحي على الأقارب والمحتاجين. ومن اللافت أن المجالس التي يُقدَّم فيها لحم الأضحية لا يبدأ فيها الطعام إلا بعد ترديد تكبيرات العيد، حتى لو قُدِّم الطعام بعد انقضاء أيام العيد بفترة. فعندما يُذكر للمُلّا أن هذا اللحم من الأضحية، يكبر، ويكبر معه الحاضرون تكبيرات العيد.
في مدينتي نابلس، التي أحنّ إليها كثيرًا وأشتاق إلى تفاصيلها الصغيرة، كانت لدينا في أيام العيد عادات تشبه، إلى حدّ ما، ما كان عند التتار.
أذكر أننا كنا نستعد للعيد بزيارة قبور الراحلين، وتنظيف ما حولها من الأعشاب والأشواك إن وُجدت، ثم ربط سعف النخيل فوق القبور. وكان هناك دائمًا، قرب سور المقبرة، من يبيع سعف النخيل في الأيام التي تسبق العيد. وكانت تلك تجارة رائجة، تتفاوت فيها الأسعار بحسب طول السعفة وخضرتها.
فكنت ترى المقبرة صباح العيد وقد تحولت إلى ما يشبه غابة خضراء من سعف النخيل الذي يعلو القبور.
ومع مرور السنوات بدأت هذه العادة تتلاشى تدريجيًا، كما اكتشفت لاحقًا، حتى اختفت تمامًا. ولا أعرف على وجه الدقة متى اندثرت نهائيًا، لكنني غادرت نابلس في أواسط الثمانينيات وكانت تلك العادة ما تزال قائمة.
كان بعض مشايخ البلد يحاربون هذه الممارسة ويصفونها بالبدعة، فيما كان آخرون يستشهدون بآثار ضعيفة وردت في هذا الباب. ولم يكن كثير من الناس يلتفتون إلى هذا الجدل، لأن العادة كانت راسخة ومتوارثة في البلد.
وكان الرجال يتجهون إلى المقبرة مباشرة بعد صلاة العيد، فكنت تراهم بعد الصلاة وكأنهم في موكب طويل أو مسيرة جماعية. وهناك كانوا يجتمعون حول قبور الراحلين ويقرؤون سورة يس بصوت جماعي. وكانت الأعداد تختلف بحسب مكانة العائلة واتساعها؛ فقد ترى حول بعض القبور عشرات الأشخاص، بينما بالكاد تجد حول قبور أخرى رجلًا أو اثنين.
ولم تكن العادة أن تتردد النساء على المقبرة في أيام العيد، إذ كانت الزيارة تقتصر على الرجال.
ومن العادات الجميلة أيضًا أن أهل البلد كانوا، صباح العيد، يزورون بيوت من فقدوا قريبًا حديثًا، جبرًا لخواطر أهل الميت ومواساةً لهم في أول عيد يمر عليهم بعد رحيله. وأهل نابلس معروفون بهذه العادة النبيلة.
ومن العادات الجميلة التي أذكرها أيضًا أن أهل المدينة كانوا يزورون قبور الشهداء صباح العيد، حتى إن لم تكن تربطهم بالشهداء أو بعائلاتهم معرفة سابقة.
لكن للعيد في نابلس بهجةً خاصة، ولا سيما عند الأطفال، وهي بهجة تكاد تتشابه في معظم مناطق فلسطين، ولم أجد ما يماثلها لدى التتار.
فقد كان الأطفال يستعدون للعيد مسبقًا بحماس كبير، ويتولى الأهل تجهيزهم بشراء الملابس الجديدة، فيخرجون صباح العيد مزهوّين بها، يتباهى بعضهم أمام بعض بملابسهم وأحذيتهم الجديدة.
وكان الأطفال ينتظرون زيارات الأقارب خلال أيام العيد، إذ اعتاد الكبار أن يمنحوهم مبالغ رمزية تُعرف باسم «العيدية». وكان الأطفال يفرحون بها فرحًا كبيرًا، حتى إن ما يجتمع لديهم خلال أيام العيد كان يبدو، بمقاييسهم الصغيرة، مبلغًا معتبرًا. وكانوا ينفقونه عادة على الألعاب، ومجسمات الأسلحة النارية، والمفرقعات، والمثلجات، وغير ذلك مما يستهوي الأطفال.
وكان الكبار أيضًا يستعدون للعيد بطريقتهم الخاصة، فيعدّون كعك العيد الذي يُقدَّم لأهل البيت وللضيوف الذين يزورونهم خلال أيام العيد، وكثيرًا ما كانوا يرسلون منه إلى الجيران والأقارب.
وكانت هناك في البلد ساحة واسعة تُعرف باسم «ساحة العيد»، تُنصب فيها المراجيح وبعض الألعاب، فتبدو كأنها مدينة ملاهٍ صغيرة. وهناك كنت تجد معظم أطفال المدينة يتنافسون على ركوب الأراجيح، وشراء الحلويات والمثلجات، وقضاء ساعات طويلة في اللعب والفرح.
أما عند التتار، فلم أجد — في المناطق التي زرتها وشاهدتها — شيئًا مماثلًا بهذا الشكل، وربما كانت هناك عادات مشابهة في مناطق أخرى لم أصل إليها. فالتتار موزعون على مساحات شاسعة من الأراضي الروسية، ومع أن عاداتهم متقاربة في كثير من الجوانب، فإن بينها أيضًا قدرًا كبيرًا من التنوع، وهو موضوع واسع يستحق البحث والتأمل.
لكن للعيد في نابلس بهجةً خاصة، ولا سيما عند الأطفال، وهي بهجة تكاد تتشابه في معظم مناطق فلسطين، ولم أجد ما يماثلها لدى التتار.
فقد كان الأطفال يستعدون للعيد مسبقًا بحماس كبير، ويتولى الأهل تجهيزهم بشراء الملابس الجديدة، فيخرجون صباح العيد مزهوّين بها، يتباهى بعضهم أمام بعض بملابسهم وأحذيتهم الجديدة.
وكان الأطفال ينتظرون زيارات الأقارب خلال أيام العيد، إذ اعتاد الكبار أن يمنحوهم مبالغ رمزية تُعرف باسم «العيدية». وكان الأطفال يفرحون بها فرحًا كبيرًا، حتى إن ما يجتمع لديهم خلال أيام العيد كان يبدو، بمقاييسهم الصغيرة، مبلغًا معتبرًا. وكانوا ينفقونه عادة على الألعاب، ومجسمات الأسلحة النارية، والمفرقعات، والمثلجات، وغير ذلك مما يستهوي الأطفال.
وكان الكبار أيضًا يستعدون للعيد بطريقتهم الخاصة، فيعدّون كعك العيد الذي يُقدَّم لأهل البيت وللضيوف الذين يزورونهم خلال أيام العيد، وكثيرًا ما كانوا يرسلون منه إلى الجيران والأقارب.
وكانت هناك في البلد ساحة واسعة تُعرف باسم «ساحة العيد»، تُنصب فيها المراجيح وبعض الألعاب، فتبدو كأنها مدينة ملاهٍ صغيرة. وهناك كنت تجد معظم أطفال المدينة يتنافسون على ركوب الأراجيح، وشراء الحلويات والمثلجات، وقضاء ساعات طويلة في اللعب والفرح.
أما عند التتار، فلم أجد — في المناطق التي زرتها وشاهدتها — شيئًا مماثلًا بهذا الشكل، وربما كانت هناك عادات مشابهة في مناطق أخرى لم أصل إليها. فالتتار موزعون على مساحات شاسعة من الأراضي الروسية، ومع أن عاداتهم متقاربة في كثير من الجوانب، فإن بينها أيضًا قدرًا كبيرًا من التنوع، وهو موضوع واسع يستحق البحث والتأمل.
IslamNews.Ru وكالة الأنباء
تسجيل الدخول ب: