دروس الأزمة الفنزويلية ... لحظة مادورو وحقبة الفوضى العالمية

Фото: wsj

Фото: wsj

العلامات:

0
06-01-2026

لم يكن ما جرى في فنزويلا حدثًا أمنيًا معزولًا ولا عملية تكتيكية عابرة، بل شكّل لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة التاريخية التي دخلها العالم، وللتحول الجذري في سلوك الإمبراطورية الأمريكية وهي تقترب من نهاية نموذجها القديم. فاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته لم يكن نتيجة تفوق تكنولوجي ساحق ولا عبقرية استخبارية استثنائية، بل تعبيرًا صارخًا عن تداخل ثلاثة مسارات متزامنة: تفكك النظام الدولي، وهشاشة الجبهات الداخلية في الدول المستهدفة، وانتقال الولايات المتحدة من إدارة الهيمنة إلى ممارسة الفوضى المفتوحة.

منذ اليوم الأول لوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أعلن بوضوح قطيعته مع الأسس التي قام عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. لم يعترف بشرعية الأمم المتحدة، ولم يُخفِ ازدراءه للمعاهدات الدولية، واعتبر العولمة عبئًا على المصالح الأمريكية لا إطارًا ناظمًا لها. هذا السلوك لم يكن مجرد انحراف شخصي، بل انعكاسًا لمرحلة احتضار نظام دولي شاخ واستنفد أدواته. عمليًا، أطلق ترامب ما يمكن تسميته «عفاريت الفوضى العالمية»: كسر القواعد دفعة واحدة، وتحويل القوة العارية إلى الأداة الوحيدة لإدارة السياسة الدولية.

كما أن طبيعة التفاعل الدولي مع ما جرى في فنزويلا كشفت خللًا بنيويًا أعمق في النظام العالمي، حيث لم تُترجم الإدانات أو الاعتراضات إلى أي مسار قانوني أو مساءلة مؤسسية فاعلة، ما يؤكد أن العالم لم يعد محكومًا بالقواعد، بل بموازين القوة، وأن الشرعية الدولية لم تعد مرجعية ملزمة، بل ورقة انتقائية تُستدعى أو تُهمل بحسب موقع الفاعل في معادلة الهيمنة.

في هذا السياق، يصبح سلوك الإمبراطورية مفهومًا ضمن سنن تاريخية أشار إليها مفكرون ومؤرخون منذ قرون. فالإمبراطوريات، حين تبدأ في التآكل، لا تكتفي بتدمير خصومها، بل تميل إلى تدمير محيطها، بل وحتى ذاتها. تستبدل العقلانية بالاندفاع، والنظام بالفوضى، والشرعية بالقوة المجردة. ومن هنا، لا تبدو العملية في فنزويلا مفاجئة أو ارتجالية، بل جزءًا من سعي ترامب إلى إعادة تثبيت صورة «الملك المفوض» الذي يقرر مصائر الدول بإرادته المنفردة، دون اكتراث بالقانون الدولي أو بالعواقب الاستراتيجية البعيدة.

غير أن السؤال الجوهري لا يتصل بالسلوك الأمريكي وحده، بل بكيفية سقوط فنزويلا بهذه السرعة. فالتحليل الدقيق يبيّن أن ما جرى لم يكن انتصارًا تكنولوجيًا أمريكيًا بقدر ما كان انهيارًا داخليًا فنزويليًا. الاختراق لم يبدأ من السماء ولا من الفضاء السيبراني، بل من داخل القصر الجمهوري نفسه، ومن المستويات العليا في الدولة. والبيئة التي تسمح بمثل هذا السقوط لا تُبنى في يوم واحد، بل تُهَيَّأ عبر سنوات من التنازلات، والمراهنات الخاطئة، والتغلغل الثقافي والفكري للنموذج الليبرالي الأمريكي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، كما جرى في تجربة انهيار الدولة والمجتمع السوفييتي من قبل.

الرهان على تقديم تنازلات لواشنطن مقابل الحماية أو غضّ الطرف أثبت مرة أخرى أنه وهم قاتل. فالتجربة التاريخية تؤكد أن الولايات المتحدة قد تصافح، لكنها لا تصفح. أي إشارة ضعف تُقرأ باعتبارها فرصة للإجهاز لا مدخلًا لتسوية. وما جرى في فنزويلا يعيد إلى الأذهان مصائر أنظمة اعتقدت أن إدارة المصالح مع واشنطن كفيلة بتأجيل الصدام، فإذا بها تمهّد الطريق لاختراقات أعمق وانهيارات أشد.

ولفهم الفارق بين السقوط والصمود، تبرز المقارنات الاستراتيجية مع تجارب أخرى. ففي غزة، ورغم المساحة الضيقة والحصار الخانق، صمدت البنية السياسية والعسكرية لسنوات لأن القيادة حسمت خيارها مبكرًا، ومنعت الاختراقات الأمنية، وتعاملت مع الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا لا تفاوضيًا. وفي اليمن، واجهت قوى إقليمية ودولية هائلة بقدرات محدودة، لكنها نجحت في فرض معادلة ردع لأن الجبهة الداخلية كانت محصّنة ضد الاختراق الثقافي والفكري، ولأن الصراع حُسم داخليًا قبل أن يُفتح خارجيًا. في المقابل، تُظهر تجربتا سوريا وفنزويلا أن الأنظمة التي تراهن على «الصبر الاستراتيجي» أو على إدارة التناقضات مع الولايات المتحدة تنتهي إلى التآكل من الداخل، ثم السقوط عند أول اختبار حاسم.

في هذا الإطار، يبرز مفهوم «الراديكالية» لا بوصفه نزعة أيديولوجية، بل باعتباره شرطًا للبقاء. فالسر في الصمود لا يكمن في امتلاك أحدث التقنيات، بل في الروح الثورية الصلبة، وفي حسم الصراع الداخلي، وتصفية أدوات الاختراق قبل أن تتحول إلى طابور خامس. التكنولوجيا، مهما بلغت، لا تحسم صراعًا إذا كانت البيئة الاجتماعية والفكرية مهيأة للانهيار. ولو كانت التكنولوجيا وحدها كافية، لكانت الولايات المتحدة قد انتصرت في فيتنام، وأفغانستان، واليمن، وغزة. ما يحسم الصراعات في نهاية المطاف هو العامل البشري والبيئة الحاضنة.

من هنا يأتي النقد الجذري لما يُسمى «الصبر الاستراتيجي». فهذا المفهوم، كما يُمارَس في كثير من الحالات، ليس سوى فخ يمنح الولايات المتحدة الوقت اللازم لاختراق المجتمعات المستهدفة فكريًا وأمنيًا واجتماعيًا. إن تراكم القوة دون حسم سياسي وأيديولوجي للصراع الداخلي يخلق وهمًا بالاستقرار، بينما يجري تفكيك الدولة من الداخل بهدوء. وعلى النقيض من ذلك، تُظهر التجربة اليمنية أن الحسم المبكر، وتصفية الأدوات القابلة للتوظيف أمريكيًا، وضرب البيئة الحاضنة للمشروع الليبرالي، هي ما مكّن من الصمود.

التاريخ الحديث حافل بأمثلة تؤكد هذه القاعدة. فالقذافي وصدام حسين قدّما تنازلات في مراحل معينة على أمل النجاة، لكن تلك التنازلات لم تُفسَّر أمريكيًا إلا بوصفها ضعفًا يستوجب الضربة القاضية. ومادورو، حين لوّح بإشارات مهادنة تتعلق بالنفط أو بتشارك المصالح، لم يكن يفعل سوى تسريع لحظة الاستهداف. ففي منطق الإمبراطورية المتهاوية، لا توجد تسويات حقيقية، بل فرص للابتلاع.

العامل الحاسم الآخر يتمثل في دور الشارع. ففي غزة واليمن، لم يكن الشارع متفرجًا، بل شريكًا في المواجهة. وحين يؤمن المجتمع بخيار الصراع الراديكالي، تتحصّن البنية الأمنية تلقائيًا، ويصبح الاختراق أكثر كلفة وأقل جدوى. أما حين يُترك الشارع في حالة رمادية، أو يُغذّى بخطاب ليبرالي مهادن، فإن الاختراق يصبح مسألة وقت لا أكثر. وهذا تحديدًا ما افتقدته فنزويلا، كما افتقدته سوريا في مراحل سابقة.

رد الفعل الرسمي الفنزويلي بعد الاعتقال كشف بدوره عمق الأزمة. فالخطاب الذي اتسم بالضعف، واللجوء إلى المناشدات الدبلوماسية ومجلس الأمن، عكس عقلية ما زالت تراهن على نظام دولي لم يعد موجودًا. وفي لحظات كهذه، لا تحمي الدول البيانات ولا المؤتمرات الصحفية، بل التعبئة الشاملة، وحسم الخيارات، وفتح الاشتباك على أساس أن الصراع وجودي لا إجرائي.

النتيجة القاسية التي تفرض نفسها هي أن العالم دخل حقبة فوضى لا تحترم القوانين ولا تعترف بالمناطق الرمادية. وفي ظل إدارة أمريكية تتصرف كإمبراطورية جريحة، لا يوجد خيار ثالث بين الاستسلام الكامل أو الصراع الشامل. فأي محاولة لإدارة المصالح أو ممارسة دبلوماسية هادئة مع هذا النمط من السلوك ليست سوى انتحار بطيء. عناصر القوة الحقيقية اليوم ليست في عدد الطائرات ولا في تطور الخوارزميات، بل في الصلابة الداخلية، وحسم الخيارات، وبناء مجتمع يعتبر الصراع مع الهيمنة معركة حياة أو موت.

في هذا الإطار، لا تمثل فنزويلا استثناءً، بل نموذجًا تحذيريًا لما ينتظر كل دولة تعتقد أن بإمكانها التعايش طويلًا مع إمبراطورية في طور الانهيار دون أن تدفع ثمن التردد والتنازلات. فالإمبراطورية، حين تبدأ بالترنح، تجرّ معها كل من يقف في منطقة الظل.

Автор: علي أبو عصام

تعليقات() النسخة المطبوعة

اضف تعليق