إذا أردنا إختصار المشهد الجيوسياسي الدولي بجملة واحدة فهي:
لا يمكن الحديث حالياً عن مرحلة نهاية النفوذ الغربي، بل نهاية احتكاره لمراكز القوة العالمية.
ما زالت الولايات المتحدة و أوروبا تمتلكان قدرات و أدوات هائلة و هذه نقطة جوهرية في تقييم الحقبة المفصلية في تحديد مستقبل العالم:
الدولار اليورو الأسواق المالية، التكنولوجيا، المؤسسات الدولية، الشركات العابرة للقارات، شبكات التجارة و النقل و التحالفات العسكرية.
في المقابل تقف الصين في قمة رأس حربة المنافسة على تصدر سيادة حقبة الثورة الصناعية الرابعة، جيل التكنولوجيا السادس و طفرة الذكاء الصناعي، إضافة لدول و كيانات مؤثرة اقتصادياً و جيوسياسياً مثل الهند و باكستان، إيران و دول الخليج و البرازيل و غيرها رغم وجود تناقضات فيما بينها إلا أنها متجاوبة مع طموحات روسيا و الصين في تشكيل هياكل اقتصادية بديلة مثل بريكس و منظمة شنغهاي و مؤسسات مالية و ممرات تجارية مرتبطة.
لذلك لا يمكن تبسيط المسألة لنقول : "من انتصر؟ الغرب الجماعي بقيادة الولايات المتحدة أم الشرق و الفضاء الأوروآسيوي الذي تنادي له روسيا و الصين.
التحدي الحقيقي هو بتحول النظام الدولي من نظام متمحور حول عدد محدود من الدول و القوة المتفردة في العالم إلى نظام متعدد مراكز القوى، و من يحدد و يرسم قواعد و خرائط النظام العالمي الجديد!
من هذا المنطلق يجب أن ننظر لمفهوم "الأغلبية العالمية" التي تحدث عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لتقييم تصريح الرئيس الروسي حول نفوذ الدول الغربية الأكبر من حجمها الحقيقي، و تراجعه فعلياً لصالح "أغلبية عالمية" أكثر استقلالية،
يجب قراءة الموقف على مستويين أساسيين: سياسي وموضوعي.
الرؤية السياسية الروسية تروج لابتعاد العالم عن الهيمنة الأحادية الغربية نحو نظام جديد متعدد.
و في نظرة موضوعية نرى مؤشرات فعلية على إعادة توزيع القوى المؤثرة في مسار و مصير العالم.
البريكس لم تعد المجموعة الصغيرة التي كانت تضم البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا فقط. فالمجموعة باتت تضم 11 دولة بينها السعودية، مصر، الإمارات، إيران، أندونيسيا و غيرها إضافة لدول تعتبر شريكة و مراقبة تدرسملفات قبول عضويتها.
نحن نتحدث عن تجمع يضم جزءاً ضخماً من سكان العالم و إقتصاده و موارده و أسواقه لكنه لا يشكل تحالفاً سياسياً أمنياً عسكرياً. فصعود البريكس لا يعني سقوط الغرب كي لا نقع في المبالغة.
الدول الغربية ستمتلك على المدى القريب المنظور وزناً مالياً تكنولوجياً مؤسسياً هائلاً و لا يمكن التخلص من هيمنة الدولار الأميركي كعملة مركزية في النظام العالمي بسهولة. يمكن الإستناد إلى بيانات صندوق النقد الدولي للربع الثاني من عام 2026، فالدولار ما زال يمثل 56.70% من إحتياطيات النقد الأجنبي العالمية، رغم إنخفاض حصته من 57.18 في الربع الأول.
التعبير الأدق للواقع هو إنتقال نسبي للقوة و القدرات في العالم إلى تعدد مراكز القوى و ليس من هيمنة غربية إلى هيمنة بريكس بقيادة صينية روسية ما لا تدعيه لا موسكو و لا بكين.
لماذا أصبحت بنية الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي موضع أزمة؟ و أين الحاجة للإصلاح؟
منظمة الأمم المتحدة تأسست في عالم 1945 بينما عالم 2026 الإقتصادي الجيوسياسي مختلف تماماً بينما بنية مجلس الأمن الدائمة ما زالت تعكس موازين قوى أخرجته الحرب العالمية الثانية لا يلحظ اليوم مراكز قوى إقتصادية ديموغرافية أمنية سياسية كبرى في آسيا و أفريقيا و أميركا اللاتينية.
مسألة إصلاح هيكلية و تركيبة مجلس الأمن الدولي تواجه صعوبات و عقبات و هي ما زالت موضوع مفاوضات داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تترجم على أرض الواقع، فقرارات الجمعية العامة غير ملزمة، بينما يعرقل الفيتو الأميركي الفرنسي البريطاني في مجلس الأمن مسار أي تطور، و قد إستمرت هذه المفاوضات خلال الدورة الثمانين للعام الحالي 2026 و تناولت بحث حجم المجلس و التمثيل الإقليمي و آليات عمله و غيرها من الموضوعات ذات الصلةدون أن تصل المباحثات إلى إلغاء النظام الدولي بل إصلاحه و جعل مجلس الأمن أكثر تمثيلاً.
مصير أكثر من ثمانية مليارات نسمة على وجه الكرة الأرضية متعلق بنظام حوكمة دولية نتج عن ميزان قوى عمره ثمانين عاماً! يتجاهل التمثيل الواقعي المنطقي لدول آسيا و أفريقيا و أميركا اللاتينية مع تطور نظرية ثقل الفضاء الأوروآسيوي، ليتضح التناقض بين المصطلحين: "المجتمع الدولي" بمقاربة الغرب الجماعي و "الغالبية العالمية" بالمفهوم الروسي الصيني و القوى المؤيدة للتعددية القطبية. أي مفهوم الدول التي لا تريد أن تكون السياسة الدولية محكومة حصراً بمواقف الغرب.
من ناحية ثانية لا يمكن مقاربة الغالبية العالمية ككتلة سياسية موحدة، بل العلاقات فيما بين ممثليها تشوبها تناقضات و تضارب مصالح. بعض دولها يشهد صراعات فمصالح الهند تختلف بعض الأحيان عن الصين و أولويات البرازيل ليست كاولويات روسيا كما الدول العربية لا تملك رؤية موحدة متطابقة إضافة لما تسبب به العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران و دول في منطقة الشرق الأوسط من تحريض و نسف تفاهمات تعاون بين دول الخليج الفارسي العربية مع إيران.
الهند لها مصالح مختلفة عن الصين و في صراع مع باكستان، والبرازيل لها أولويات مختلفة عن روسيا، والدول العربية ليست متطابقة في رؤاها الى ما هنالك من تناقضات.
إذن هي أغلبية في الوزن السكاني والسياسي والجغرافي، لكنها ليست بالضرورة تحالفاً موحداً.
هل ينتقل الإقتصاد العالمي من مجموعة السبع إلى بريكس و الدول الصاعدة؟
في هذا الصدد يمكن الحديث عن إعادة توزيع الثقل الإقتصادي و ليس إنتقاله بالكامل. دون شك الصين في الطليعة و الهند و البرازيل و دول آسيوية و عربية صاعدة رفعت قيمة الإقتصادات غير الغربية بشكل كبير.
لكن من ناحية يبقى حجم الناتج المحلي أقل من المراهن عليه و إنشاء مؤسسات مالية إقتصادية مستقلة يبقى تحدياً. من هنا تظهر أهمية بنك التنمية الجديد، و هو ليس بديلاً كاملاً للبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، لكنه يمثل محاولة بناء قدرة تمويلية كبرى خارج المؤسسات التقليدية الدولية.
منظمة البريكس تدفع بإتجاه التمويل بالمعملات المحلية، كما أن إعلان ريو لعام 2025 رحب بالعمل على آليات التمويل بالعملات المحلية للدول، و إستمرار مناقشة آليات تحقيق المدفوعات العابرة للحدود بين أعضاء دول بريكس. فإن تمكنت دولة من الإستيراد و التصدر و تمويل مشاريعها بعملتها المحلية أو بعملات شركائها، فإن إعتمادها على الدولار سوف يتضائل.
إلا أن النظام المالي الغربي لا يزال أعمق و أكثر سيولة و أتساعاً و يمتلك قدرة على التحكم و إحتكار الأسواق. فالبديل ليس جاهزاً بشكل كامل إنما هي بوادر محاولات قد تتطور لتغيير طبيعة خارطة العالم القادم. فنحن أمام بناء تدريجي لنظام مالي متعدد المراكز أو القطبية، و ليس أمام إنحلال فوري ل"بريتون وودز".
هل العقوبات الغربية تسرع إزالة الدولرة؟
هناك آلية واضحة يمكن رصدها، فعندما تستخدم عملة أو شبكة مالية عالمية كوسيلة لفرض عقوبات، فإن الدول المتضررة تبدأ بالتحول لإستخدام وسائل بديلة، مع طرح تساؤلات أمنية الطابع. ماذا لو أصبحت هذه الدولة أو تلك هدفاً لعقوبات مشابهة في المستقبل؟ هذا يدفع تلك الدول إلى إتخاذ سلسلة إجرآت:
تنويع إحتياطاتها
1 زيادة إستخدام العملة المحلية
2 تطوير أنظمة دفع مستقلة بديلة
3 زيادة التجارات الثنائية و التبادل التجاري على أساس البضائع و الخدمات 4 مقابل بضائع و خدمات
5 شراء الذهب و إحتياطيات معادن نادرة و مواد إستراتيجية الطابع
6 البحث عن قنوات تمويل خارج النظام التقليدي
و هنا يجب التفريق بين إزالة الدولرة و إنهيار الدولار. فلا توجد قرائن تفيد بان الدولار قد فقد دوره الأساسي كلياً أو سيفقده بشكل كامل بل الحديث حول بروز خيارات بديلة موازية.
فبيانات صندوق النقد للربع الثاني من عام 2026 تضع حصة الدولار من إحتياطيات العملات الأجنبية عند 56.70%. إذا ما يحدث هو مسار أكثر تعقيداً. فالدول لا تتخلى كلياً عن الدولار بل تحاول التقليل من إعتمادها حصرياً عليه.
ماذا يعني كل ما تقدم للدول العربية؟
تمتلك الدول العربية فرصة إستثنائية هامة جداً، بسبب موقعها الجغرافي و طاقتها و مواردها و رؤوس أموالها و موانئها. و بإمكانها التعامل مع الولايات المتحدة ، أوروبا، الصين، الهند، روسيا في الوقت نفسه.
هذا التوجه يقود تلك الدول إلى مفهوم التنوع الإستراتيجي الهام:
فليس المطلوب من تلك الدول الإنتقال من التبعية للولايات المتحدة لتبعية للصين و روسيا بل بإمكانها إمتلاك خيارات أوسع في التعامل و التعاون المشترك لا على أساس تبعية بل على أساس الشراكة الحقيقية ما هو غير متوفر في تعاطي الولايات المتحدة مع تلك الدول. فالخيارات متوفرة في مجالات الطاقة، التكنولوجيا، التجارة، سلاسل الإمداد و الإستثمار. و هنا يمكن للدول العربية أن تتحول من مجرد مصدر للطاقة إلى مركز مالي لوجستي صناعي تكنولوجي يربط آسيا بأفريقيا و أوروبا.
هذه قد تكون أهم الفرص التي يحققها نظام عالمي دولي جديد لتلك الدول إن تخلت عن التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية.
ماذا عن الحزام و الطريق و الممرات الدولية؟
هذه نقطة شديدة الأهمية فالصراع على النظام العالمي الجديد لم يعد يقتصر على جيوش و أسلحة بل هو صراع على الوانيء و سكك الحديد و مصادر الطاقة و التكنولوجيا و قواعد البيانات و سلاسل الإمداد و التوريد و الممرات البحرية و التجارية و الدليل ما يحدث من تعثر الخيارات العسكرية في عدوان الولايات المتحدة و إسرائيل على إيران و تزاي الصراع بأشكال مختلفة إقتصادياً و مالياً و خدماتياً على الممرات البحرية مضيق هرمز و باب المندب.
و الحزام و الطريق مثال واضح. فعندما تربط الصين الموانيء و السكك الحديدية و المناطق الصناعية و مؤسسات الطاقة و مصادر التمويل فهي لا تبني طريقاً فقط، بل إنها تخلق شبكة إقتصادية متكاملة.
في المقابل، تشهد ممرات أخرى مثل الممر الدولي الأوسط للنقل بين الشمال و الجنوب و مشاريع ربط الخليج و آسيا و أوروبا.
هذا يعني أن الجغرافيا السياسية تتحول إلى جغرافيا إتصال إقتصادية. فالدولة التي تقع على مفترق ممر إستراتيجي قد تصبح أكثر أهمية من دول تمتلك موارد غنية فقط. هذا ما أثبتته إيران على سبيل المثال و تستفيد منه تركيا إلى حد كبير، و أمام الدول العربية فرصة خصوصاً دول الخليج إن عالجت علاقاتها مع إيران أن تلعب دورأً محورياً بسبب موقعها بين آسيا و أفريقيا و أوروبا.
كيف نحول الغالبية العالمية من شعار إلى قوة سياسية إقتصادية؟
حتى الآن لا تعدو الغالبية العالمية كونها مصطلح أو مفهوم سياسي واسع أكثر منه كتلة مؤسسية موحدة. لتحويلها إلى قوة حقيقية تحتا إلى أربعة عوامل:
أولاً التنسيق السياسي و الضمانات و التفاهمات الأمنية دون تدخل خارجي.
تنسيق الواقف حول إصلاح مجلس الأمن، التجارة الدولية، التعاطي مع العقوبات، الديون، ملفات الطاقة و الأمن الغذائي.
ثانيا، بنية مالية: توسيع بنك التنمية الجديد، تمويل مشاريع بالعملات المحلية، ربط أنظمة الدفع البديلة المستقلة.
ثالثاً بنية إقتصادية: فلا يكفي أن تصدر الدول العربية و الأفريقية النفط و الغاز و الحبوب و المعادن بل يجب أن تندمج في تكنولوجيا و تواكب تطور الذكاء الإصطناعي، الصناعات التحويلية، و تخوض غمار معركة المنافسة في حقبة الثورة الصناعية الرابعة التي تدور رحاها بين الصين و الولايات المتحدة بشكل أساس.
رابعاً المؤسسات الدولية الأكثر تمثيلاً:
و الحديث لا يعني إنشاء أمم متحدة جديدة أو بديلة، ب لإصلاح منظمة الأمم المتحدة و المنظمات و المؤسسات المالية الدولية بحيث يعكس القرار الدولي وزن العالم في تاريخنا الحاضر.
دور روسيا و الصين و الهند و البرازيل و الدول العربية
لكل من هذه الدول وظيفة هامة و مختلفة في إدارة شؤون فضاء الغالبية العالمية،
فلدينا إتجاهات متوازيان:
من جهة صعود قوى و مؤسسات غير غربية و من جهة أخرى إستمرار القوى الغربية بفرض معادلات لا يمكن تجاهلها.
فيمكن وصف المرحلة الحالية بأنها:
مرحلة إنتقا لو تنافس على قواعد النظام الدولي، و ليس مرحلة نظام جديد قد إكتملت أركانه.
هل تحققت أركان عالم متعدد الأقطاب؟
نعم إن كان المقصود هو تعدد أقطاب القوة التي اصبحت موزعة بين مراكز متعددة.
أما إذا قصدنا أن هناك نظاماً دولياً جديداً قد إكتملت أركانه و مؤسساته و قواعده فالجواب هو لا، فنحن حالياً في مرحلة الإنتقال بين النظامين القديم و الجديد الغير متبلور حتى النهاية و إحتمالات التجاذب ما زالت قائمة و قد تستعر بشدة. فالنظام القديم لم يسقط و النظام الجديد لم يكتمل و لم تتم المصالحة عليه.
و السنوات القليلة القادمة قد تحدد تطورات بالغة الأهمية:
هل سيصبح عالم تعدد الأقطاب حلبة تنافس بين القوى الكبرى، أم سيتحول إلى نظام أكثر توازناً يسمح للدول المتوسطة و الصغيرة بهامش أكبر من الإستقلال؟ قبل إنهيار الإتحاد السوفياتي كان لتلك الدول هامش في إتخاذ الخيارات الإستراتيجية فهل سيعود هذا الهامش بشكل أو أشكال مختلفة؟
و الدول العربية و غيرها من الدول الكبرى عليها طرح سؤال ليس مع من تقف بل كيف تزيد من قدرتها على إتخاذ قرار مستقل، و تحول موقعها الجغرافي و قدراتها الإقتصادية إىل قوة جيوسياسية و إقتصادية مؤثرة في العالم القادم. هذه هي النقطة الأهم في نظرية " الغالبية العالمية".
أحمد حاج علي
موسكو 02 10
IslamNews.Ru وكالة الأنباء
تسجيل الدخول ب: